المجتمعات الأوربية ، مهما اختلف نظامها ، عرفت في هذا القرن نتيجة لانتصار الفلسفات المادية والوجودية تحرراً وتحللًا في مجال ممارسة الحرّية وصل إلى مرحلة الشطط في كثير من الأحيان . وهكذا استناداً إلى ما يسمّى حرية الاعتقاد في المجمتعات العصرية العلمانية أصبح المواطن الأوروبي والأميركي حرّاً في اختيار الديانة التي يشاء الاعتقاد بها ، وممارسة تعاليم هذه الديانة وشعائرها .
كما يمكنه بالمقابل ، واستناداً إلى الحرية نفسها ، ألّا يعتقد بأي دين ويختار الإلحاد عقيدة له ، وبئس الاختيار .
واستناداً إلى ما يسمّى حرية الانسان بالتصرّف في حياته ، فمن حقّ المواطن الأوروبي والأمريكي أن يضع حدّاً لحياته بواسطة عملية الانتحار الفوري أو البطيء ، دون أن تعاقبه قوانين الدولة على عمله هذا إذا لم يؤدّ إلى الموت » « 1 » .
وهذا الاستخدام السلبي والهدّام للحرية غير مقبول في الشريعة المحمدية وغير مبرر ، لأنّ الله سبحانه وتعالى بعث الأنبياء والرسل لتوجيه معنى حرية الإنسان وتسديد اختياراته ، فحتّى حرّيته في التصرف بجسده لها قواعد وضوابط ، تقول الآية الكريمة
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
« 2 »
.
فلا يجيز الفقهاء المسلمون إلحاق الإنسان الضرر بنفسه ، والتصرّف بأعضاء بدنه والعبث بها ، فالنفس محترمة وبنو آدم مكلفون بحفظ أبدانهم وعدم الإضرار بها ، حتّى الأكل المباح حين يكون سبباً للإضرار بالبدن يحرم في نظر بعض الفقهاء ، يقول الشهيد محمد بن مكّي العاملي ( ع ) : يكره كثرة الأكل ، وربّما حرم إذا أدّى إلى الضرر « 3 » .
ويقول القرطبي : ما تدعو إليه الحاجة ، وهو ما سدّ الجوعة وسكن الظمأ فمندوب إليه عقلًا وشرعاً ، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال ، لأنّه يضعف الجسد ويميت النفس ، ويضعف عن الصلاة ، وذلك يمنع منه
هامش
( 1 ) إحسان الهندي ، الإسلام والقانون الدولي دار طلّاس دمشق : 190 .
( 2 ) البقرة : 195 .
( 3 ) الدروس الشرعية 36 : 3 كتاب الأطعمة والأشربة .