الإنسان للبحث عن وسيلة سلمية يرجع إليها لحلّ التعارض والتنازع بين المصالح الفردية لتأمين الحفاظ على المجتمع الذي يعيش فيه بحكم الضرورة ، أو بعبارة أخرى لابدّ من وجود ضابط أو ناظم يكفل للإنسان ماله من حريات ، ويحدد ما عليه من واجبات في حياته الاجتماعية ، ويكون ذلك بتقييد ما للإنسان من حريات بقدر يكفل السلّم الاجتماعي عموماً ، أي بقدر يسمح للآخرين من الأفراد بالتمتّع بحرياتهم . ووسيلة التعبير عن هذا التقييد مجموعة من القواعد والمبادئ والأحكام التي تخط سبل السلوك الاجتماعي للأفراد في علاقاتهم الاجتماعية ، وهي بمجموعها تكوّن القانون » « 1 » .
وقد شرّع الإسلام قانون تعديل الحرية وضبطها بحدود ، كما يبدو من قوله فعالي :
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
« 2 » فالقيد هنا إيجابي وإصلاحي ، كما تمارس البلدان المتحضّرة في قوانينها وممارساتها عند تنظيم معتقلات وسجون الغرض منها هو إصلاح الفرد وإعادة تأهيله ، لكي يندمج مع القانون والعرف الاجتماعي والسياسي الذي تصطلح وتتعارف عليه هذه البلدان . وينهى القانون الإسلامي عن القيد السلبي المانع لحرية الإنسان واختياره الذي شرعه الله له ، كما في قوله تعالى :
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ
« 3 »
.
فالإعضال في القانون الإسلامي غير الإمساك . فالإمساك هو قانون إصلاحي إيجابي رادع ، أمّا الإعضال « 4 » فهو هنا ظلم وسلب لحرية الإنسان واختياره وعسف وجور . فالحرّية المشروعة هي الحرية المنظّمة والمنضبطة ، وهي غير الحرية المنفلتة التي تؤدّي إلى الانهيار والتهافت ، كما أنّ التقنين والتنظيم غير العنت والظلم والقهر ومصادرة
هامش
( 1 ) رياض القيسي ، علم أصول القانون : 42 .
( 2 ) النساء : 15 .
( 3 ) البقرة : 232 .
( 4 ) قال الخليل : عضّلت عليه ، أي ضيّقت عليه في أمره وحلت بينه وبين ما يريد ظلماً . العين 278 : 1 .