كالتزامات الجوار والتزامات أفراد الأسرة بعضهم نحو بعض ، هي في الواقع أوامر ونواه أدبية تقضي بوجوب العطف على الجار والكفّ عن إيذائه والبرّ بذوي القربى والأرحام . فإذا قلنا : إنّ القانون إنّما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لا نكون مبالغين في هذا القول « 1 » .
ويتقارب الفهم الإغريقي القديم مع الفهم الإسلامي والحضاري لمفهوم الحرّية فقالوا : الحرية هي ما يميّز الإغريقي عن البربري ، ولم يكفّ الأغريقيون عن البحث في هذا المفهوم وتمجيده . فقد كانت الحرية تعني للأغريقي بأنّها الحقّ ، وبأن لايخضع ولا يطيع إلّا القانون وحده .
فالحرية لديهم نظام أو وضع مزدوج الجانب ، فهي من جهة استقلال إزاء أيّ إكراه شخصي ، وهي من جهة أخرى خضوع للقوانين العامة ، والانضواء الطوعي إلى نظام « 2 » .
فالحرّية إذن لا تنفكّ عن قيود ضوابط وضعت لها في تاريخ الفكر السياسي منذ أن وعى الإنسان ما يصلح له وما لا يصلح . « وفي النظم القانونية الحديثة تعترف الدساتير عادة بمبدأ حرية الإنسان ولكنّها تشترط ممارسة هذا الحرّية حسب القانون ، ثمّ يأتي القانون فيبيّن أساليب ممارسة الحرّية ويذكر الضوابط الأساسية في هذا المجال ، وذلك بالاستناد إلى معيارين أساسيين هما : النظام العام من جهة ، والآداب العامة من جهة ثانية .
ويختلف هذان المعياران ، أي النظام العام والآداب العامة في المكان بين بلد وآخر ، وفي الزمان أيضاً بين وقت وآخر . فمن حيث المكان نجد مفهوم الحرية يأخذ مدى أوسع في البلدان الليبرالية عن البلدان الاشتراكية « 3 » ، لأنّ الدولة تتدخّل باسم النظام العام والآداب العامة في البلدان الأولى أقلّ ممّا تتدخّل في الثانية . ومن حيث الزمان نجد أنّ
هامش
( 1 ) الوسيط في شرح القانون المدني الجديد ، نظرية الالتزام 166 : 1 دار إحياء التراث العربي بيروت .
( 2 ) ينظر تاريخ الأفكار السياسية لتوشار 36 : 1 .
( 3 ) وقد يقابلها في وقتنا الحاضر البلدان ذات الحزب الواحد أو التي يقودها حاكم فرد أو جماعة أو عائلة تضاهي تسلّط وهيمنة الأنظمة الاشتراكية وإن كانت تختلف معها في التسمية .