تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
قلنا : بأنّ أعظم إنجاز حققته الحضارة الإسلامية هو الحرّية ، لم نشطط في هذا . وكان الصحابة الأخيار والأئمّة المعصومون ( ع ) يندبون إلى الحرية ويعيبون على الإنسان تبعيته العمياء وانقياده إلى الآخرين بدون عزم وإرادة مستقلّة ، وفي هذا قال الإمام الكاظم ( ع ) لأحد أصحابه : أبلغ خيراً وقل خيراً ولا تكونن إمّعة . فقال له : ما الإمّعة ؟ قال ( ع ) : لا تقولنّ أنا مع الناس ، وأنا كواحد من الناس ، إنّ رسول الله ( ص ) قال : يا أيّها الناس ، إنّما هما نجدان : نجد خير ونجد شرّ ، فما بال نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير « 1 » ! وهنا نلمس توجيه الانسان نحو الاختيار الإيجابي والحريّة البنّاءة التي تشكّل النسيج الاجتماعي الخلّاق للمجتمع ، فالحرّية إذا وجّهت ونظّمت وفق قواعد وأسس إيجابية تكون عامل بناء وتوطيد للمجتمع ومؤسساته وإذكاء للطاقات الخلّاقة المبدعة . والحرية تعني تأكيد الاستقلال واحترام الذات وعدم امتهانها ، وفي ذلك يقول علي ( ع ) : لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً « 2 » . وحين يتحرّر الإنسان من الأغلال التي تكبّله تتفجّر مواهبه وطاقاته ، وتبدأ مسيرة الإبداع البشري ، إلّا أنّ الاندفاع غير المنضبط مع رياح الحرّية يهدّد الأمن الاجتماعي والتجمّع البشري ، فتضيع القيم وتتوارى الضوابط والقوانين في متاهات وآفاق لا يمكن تصوّرها ، لذلك حرصت النظم السياسية في عصور التاريخ المختلفة على ضبط الحرية المنفلتة وكبحها ، وحتّى النظم الثورية الحديثة أخذت في تشريعاتها بمبدأ وضع الضوابط والموانع في مسار الحرية التي كانت ترفع شعاراتها وتنادي بها .

الحرية بين العرف والقانون

تبدأ الضوابط والقيود المانعة من الانفلات من أصغر خلية في المجتمع ، وهي الأسرة ، ثمّ تتدرج إلى مؤسسات أكبر من الأسرة تنتهي للقانون ، ولهذا « فلا غرابة أن يسعى
هامش
( 1 ) مستطرفات السرائر لابن إدريس ص 84 ح 29 . ( 2 ) نهج البلاغة ص 401 وصية رقم 31 .
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 121 | عادل عبد الرحمن البدري