ويعتقد كثير من الباحثين بأنّ معظم الحضارات قد حقّقت إنجازاً معيّناً ، وقد حققت كلّ حضارة تاريخية مأثورة قيمة مبدعة عظيمة ، فالحضارة اليونانية حقّقت الجمال ، والحضارة الرومانية حقّقت القانون والتنظيم السياسي ، والحضارات السامية حققت الدين ، والحضارة الصينية حققت التنظيم العملي النافع ، والحضارة الهندية حققت الخيال والتصوّف ، والحضارة الأوربية حقّقت العلم ، وهذا التحقيق له حدوده ونهايته التي تنجز معها الحضارة عملها ويصبح موتها بعده حتماً مقضياً « 1 » .
ومن المحقّق أنّ حضارة القرآن لم تمت بعد ، وإذا كان لها أن تموت ، فهذا يعني بطلانها ونسخها ! ولا يصحّ هذا .
ومع كلّ هذا ، فإنّ الحضارة الإسلامية قد حققت كلّ شيء ، حققت الجمال والقانون والتنظيم والعلم والعمل ، وأمّا الخيال والتصوّف فقد جاء في هامش الحضارة الاسلامية ، لأنّ هذه الحضارة لاتبتعد بعداً ملحوظاً عن واقع الإنسان ، فما ترشّح من ثقافات صوفية في التاريخ الغابر للإسلام لم يكن يمثّل مسارها العام ، وإنّما هي هوامش برزت في زمان طغى فيه الظلم والتفاوت في التراتب والمراكز الاجتماعية ، والانغماس في الملذّات والملاهي للأمّة ، ممّا أفرز موجاً معاكساً ركبه ثلّة من الأدباء والعلماء للتعبير عن موقف فردي وليس كموقف ديني .
أمّا الحديث عن موت الحضارة وانجاز مهمّتها فلا يمكن تنزيله على الحضارة الإسلامية ، فما زال عطاء الحضارة الإسلامية ثرّاً .
والحرية كمفهوم حديث وقديم أبرزت الحضارة الإسلامية ملامحه وجسّدته في الكتاب والسنّة ، وما زال عتق الرقاب ، وهو نظام جزائي صارم جزءاً من متعبّدات الفرد المسلم ، فما من جريمة أو معصية يقترفها المسلم إلّا وجعل عتق الرقاب ومنح الحرية للإنسان المسلوب منها كفّارة لجريمته مع سائر الطقوس العبادية الأخرى ، حتّى غدت قوانين الإسلام وتشريعاته قوانين عطاء ومنح الحرية وإطلاق سراح المستعبدين ، فلو
هامش
( 1 ) المدخل إلى التاريخ الإسلامي : 478 .