المؤمن فيما بينهم مستضعف ، والفاسق فيما بينهم مشرّف ، صبيانهم عارم ، ونساؤهم شاطر ، وشيخهم لا يأمر بالمعروف ولاينهى عن المنكر ، الالتجاء إليهم خزي ، والاعتداد ( خ ل : الاعتزاز ) بهم ذلّ ، وطلب ما في أيديهم فقر ، فعند ذلك يحرمهم الله قطر السماء في أوانه ، وينزله في غير أوانه ، ويسلّط عليهم شرارهم فيسومونهم سوء العذاب ، يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، فيدعو خيارهم فلا يُستجاب لهم « 1 » .
ومع هذا التفوّق التكنولوجي الذي صحب الحضارة الغربية المسيحية فإنّ عاصفة من المشكلات السياسية والاجتماعية رافقت هذه الحضارة وما زالت .
يقول بوكانان الباحث البريطاني : الحضارة الغربية أصبحت لها سطوة وسلطان على جيرانها وعلى بيئتها بفضل الاستخدام الجاد والنشط لتكنولوجيا دينامية ، شجّعت على تطوّرها ظروف اجتماعية توافرت في كلِّ بلد من بلدان الغرب . وساندتها دون الحضارات العالمية الأخرى عملية ثورة تكنولوجية مستمرّة ، وكانت هذه عنصراً فاعلا ومثيراً للتصدّع الاجتماعي والمنافسة الحادّة فيما بين بلدان الغرب .
ومن ثمّ لم تكن هذه أبداً حقبة راحة وهدوء في التاريخ العالمي ، وإنّما كانت على العكس زاخرة ومشحونة بالغيرة الحادّة بين الدول المتنافسة ، وتفجّر هذا كلّه في صورة سلسلة من الحروب العنيفة . وعانت من ضغوط غير مسبوقة في التاريخ بسبب الزيادة السكّانية في ظروف حراك اجتماعي آخذ في التوسّع باطراد .
وواجهت كذلك تحوّلات عميقة في الثقافة والتوجهات والتطلعات العامة . ومع هذا فإنّها حقبة تقتضي تفسيراً تاريخياً ، نظراً لما تتصف به من قسمات كثيرة فريدة . وحيث إنّها حقبة صاغت معالم وشكل المجتمع المعاصر ، فإنّ التفسير التاريخي يغدو ضرورياً بغية تقييم آفاق المستقبل لمجتمعنا ، وإنّ دراسة الثورة التكنولوجية التي سادت الحضارة الغربية منذ العام 1700 يمكن أن تُسهم في فهم الحالة الاستثنائية المشحونة بالمخاطر والاحتمالات ، وتحيط بمواطني الكوكب الأرضي مع نهاية القرن العشرين « 2 » .
هامش
( 1 ) جامع الأخبار للسبزواري : 355 .
( 2 ) الآلة قوّة وسلطان ، ترجمة شوقي جلال ، عالم المعرفة الكويت : 31 .