- ومن هذه البلدان المقصودة البلدان الإسلامية - إلى نهضة حضارية أو حركة إصلاحية تتّخذ شعار الدعوة إلى الحرية ، أو نهضة الحرية التي تستلهم الفلسفة الليبرالية واتجاهاتها في هذه النهضة ، وكأنّ المثل الغربية التي توّجتها حركة الإصلاح الليبرالي هي نموذج أمثل لدحر الظلام والفقر والتخلّف الذي يخيّم على هذه البلدان ، وقد أخذت بعض البلدان طائعة شاكرة لهذه الالتفاتة داعين وشاكرين لتكرار وتطبيق ثقافة وممارسات لقيت بعض النجاح في محيطات أوروبا .
ولقد عانى المسلمون والعرب الضياع والتهافت حين يمموا وجهتهم صوب الحضارة والثقافة الغربية ، مبهورين بهذا المدّ الحضاري الغربي الذي أفرز قيماً وثقافات سادت ثقافة المجمتع العربي والإسلامي لعقود اعتقدوا مقولاتها ، وكأنّها قادرة على وضع الحلول للأزمات والمحن التي يعانوها ، ممّا جعلهم يقدّسون الأصنام والثقافة التي تجسّدت في شخصيات ونظريات ، جعلتهم يبتعدون بمسافة ليست بقليلة عن قيم ومعطيات الحضارة الإسلامية التي أبرزها النبيّ ( ص ) وخلفاؤة وصحابته الأبرار والمعصومون من ذرّيته وتناسوا تكامل الحضارة الإسلامية وفقر الحضارت الأخرى وضعفها وتهافتها ، ومهما كان إبداعها فهو إبداع محدود أخذ وجهاً واحداً من صورة المدنية وهو الجانب التكنولوجي المادّي .
ورغم الانبهار الكبير الذي يراه البعض في المظاهر الخارجية للحضارة الغربية المسيحية ، فإنّ ضرراً ودماراً لحق البيئة والإنسان ، فقد تفككت الأسرة وتضاءلت وشحبت القيم الإنسانية ، ووصل الأمر إلى تنكّر القيم الإنسانية بل إبدالها ، وصار المنكر معروفاً ، والمعروف منكراً ، وسرى هذا إلى الشرق المسلم ، فتبدلت قيمهم ونسوا أنهم مسلمون .
وهذا ما أخبر به النبي ( ص ) في قوله : يأتي على الناس زمان وجوههم وجوه الآدميين ، وقلوبهم قلوب الشياطين ، كأمثال الذئاب الضواري ، سفّاكون للدماء ، لا يتناهون عن منكر فعلوه ، إن تابعتهم ارتابوك ، وإنْ حدّثتهم كذّبوك ، إنْ تواريت عنهم اغتابوك ، السُنّة فيهم بدعة ، والبدعة فيهم سُنّة ، والحليم منهم غادر ، والغادر بينهم حليم ،
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 118
مساهمون: عادل عبد الرحمن البدري
ص١١٨