ولكن التقدّم العلمي والتكنولوجي الذي عرفت به حضارة الغرب في القرون الثلاث الأخيرة يُعزى إلى المذهب البروتستانتي الذي يحترم العقل البشري حيث " يعتقد بعض المفكرين بأنّ المذهب البروتستانتي كان وراء التقدّم الهائل الذي حققه العلم الطبيعي في إنجلترا وبقيّة بلدان أورپا ، بعد التخلّص من القيود على العقل التي فرضتها الكنيسة الكاثوليكية " « 1 » .
فالانطلاقة التي أوجدت حركة نهضة علمية وحضارية هي عملية تحرير وكسر قيود كانت تحجب العقل البشري من الابتكار والإبداع ، ولا تعني هذه النهضة إطلاق حركة الغرائز والشهوات والاندفاعات الفردية الطائشة التي كانت تغذيها شعارات الليبراليين في مقولة دعم الفرد وإطلاق حريته . وكردّ فعل موضوعي فإن حركة ارتداد واسعة نشأت في داخل صفوف الليبراليين تدعو لكبح جماح الفرد ولجمه بقانون مانع من هذا الطغيان .
والليبراليون الجدد يرون أنّ النزعة الفردية التنافسية ليست قابلة للتوسع إلى ما لا نهاية ، إذ ثمّة أطر معينة للحياة الاجتماعية تقف خارجاً ومانعاً لهذه النزعة .
ويميل كتّاب اليمين الجديد عند تحديد هذه الأطر إلى الاقتراب صراحة من النزعة المحافظة الجديدة الأمريكية ، والتي تدعو إلى قيام دولة جديدة ، فيرون أنّ دولة الحدّ الأدنى يلزم أن تكون دولة قويّة حتّى يتسنّى لها فرض القوانين التي تقوم عليها المنافسة . وكذا الحماية ضدّ الأعداء الخارجيين ، علاوة على غرس وترسيخ مشاعر الوحدة القومية ، بعد الانحلال الأخلاقي والتفكك الذي حصل في هذه الدول ، ويرى اليمين الجديد في الحياة الأسرية أقوى شاهد على التحلل الأخلاقي « 2 » الذي يهدد هذه الحضارة فهذا الإدراك هو انتفاضة ضد الحرية الداعية إلى الفوضى من داخل التيار الليبرالي نفسه .
وما زال عشّاق الحضارة الغربية يتحدّثون عن حاجة البلدان النامية أو العالمالثالث
هامش
( 1 ) الثقافة العربية وعصر المعلومات : 189 .
( 2 ) ينظر بعيداً عن اليسار واليمين : 65 .