من الحقوق المقررة له شرعاً ، أو إعفاءه من أحد الواجبات المتعلّقة بها « 1 » فالحرية هنا مقابل واجبات والتزامات وشروط ونظم تتّخذ مسمّيات شتّى منها المباحات والمستحبّات . . . وغير ذلك . ونضوج صورة ومفهوم الحرية في الفكر السياسي الإسلامي أقدم وأعرق من نضوجها وتبلورها في الفكر السياسي الغربي الحديث .
فمذهب الحرّيات في التاريخ الغربي في الأصل مذهب مدرسة من الاقتصاديين الفرنسيين والإنكليز ، مثّلوا ما بين نهاية القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر ، النموذج الأول لمذهب الحريّات الذي كان يدلّ على حرية المشاريع والمنشآت ، والذي لم يكن مرتبطاً ضرورة بالمفاهيم السياسية كالديمقراطية مثلًا .
واعتبرت المدرسة التحررية المأثورة الكلاسيكية أنّ التوافق قائم حكماً بين المصالح الفردية والمصلحة العامة . وأنّ تدخّل الدولة والجماعات الخاصّة لا يجوز أن يربك هذه اللعبة الحرّة الهادفة إلى تنافس الأفراد . أمّا التحررية الحديثة فهي بالأولى تحررية سياسية ، سواء في دوافعها أم في تعابيرها على صعيد العمل الحزبي . وهي ترمي إلى غايتين متكاملتين : جعل الفرد بمنأى عن هيمنة السلطات العامة ، وصون الحرّيات السياسية وحرّية المعرفة والتفكر والتعبير « 2 » . فالامتداد التاريخي لمفهوم الحرية السياسية الغربية لا يمكن وضعه في مسار زمني بعيد ، في حين أنّ الإسلام في أوّل ظهورة بلور هذا المفهوم وأغناه .
وقد أفرزت حركة الحرّية لدى الغرب نظرية الحداثة ، وما بعد الحداثة وكلاهما يمتدّان إلى المفهوم الليبرالي « 3 » الذي بالغ في حماية حقوق الفرد ودعم حريته إلى درجة الفردية
هامش
( 1 ) إحسان الهندي ، الإسلام والقانون الدولي ص 182 .
( 2 ) مفاتيح العلوم الإنسانية ص 96 رقم 289 .
( 3 ) يرى الليبراليون أن الفرد مستقلّ عن الجماعة وقد دخل نطاق الجماعة متنازلا عن بعض حقوقه لتحمي له حقوقه الباقية . والحداثة وما بعد الحداثة ظاهرة تاريخية تمثل مرحلة من مراحل تطور المجتمعات الإنسانية حيث تتجه إليها المجتمعات طبقاً للقوانين الخاصة بتطورها . والحداثة : هو مصطلح استخدم لوصف ظواهر عديدة في عصور مختلفة ، وهو اتجاه عام في الغرب شمل معظم الآداب والفنون .
والحداثة باعتبارها نسقاً خارجاً عن السيطرة ، موجودة ضمناً في الأسلوب الذي يُصرّ فيه على اعتبار العالم الحديث عالماً فريداً في خصائصه يفترق افتراقاً بيّناً عمّا سبقه .
فالحداثة ارتبطت بعصر التنوير وبفكرته عن العقلانية الكلية ، أي البحث عن المعرفة اليقينية وعن وسيلة للسيطرة على قوى الطبيعة والمجتمع . وفي المقابل تنكر ما بعد الحداثة وجود مثل تلك العقلانية الكلية ، أو إمكانية المعرفة بالطريقة التقليدية التي نفكّر بها عادة . ينظر معجم مصطلحات عصر العولمة ص 77 رقم 479 ، النظرية الاجتماعية ص 180 و 181 و 265 .