يستخدم الإسلام كلمة الحرية إلّا قليلًا ، وإنّما يستخدم الجانب الآخر للحرية ، وهو الحرمة فيقول : حريم الإنسان حريم البيت ، حرم الله ، وحرمة الاعتداء . فالحرية تتبدّل في مفهوم الإسلام إلى الحرمة ، لأنّ الحرمة هي التي تحافظ علي الحرية . وحينما يحافظ الناس على حرمة البيت والشارع والمدرسة والسوق فمعنى ذلك محافظتهم على حرية الأفراد « 1 » .
فهنا تتداخل الحقوق وتنبثق من معنى الحرية ، فحقّ الحياة وحقّ الملكية الخاصّة ، والحرية الشخصية ، أو ما يسمّى الحريات العامة « 2 » كلّها مفاهيم تلازم مفهوم الحرية ، وقد تضمّنت عموم كتب التعاريف القانونية والسياسية الحديثة هذه المفاهيم في كثير من دراساتها وفصولها ، وسرت هذه المفاهيم إلى الدساتير والقوانين العامة للبلدان ، لأنّ الأصل أن يكون الإنسان حراً طليقاً مختاراً غير مقيّد ، على أن لا تكون الحرية التي تطلب مانعاً وقيداً لحرية الآخرين ، أو تجاوزاً عليهم ، فعندها تفقد الحرية معناها وتدخل دائرة الفوضى والتجاوز والاستهتار .
ويتباين المعيار والضابط في تعيين ملامح الحرية في الدول حسب أنظمتها . ففي الدول الديمقراطية المعاصرة تقرر طائفة من الحريات لمواطني البلد تسمّى الحريّات العامّة ، مثل حرية الاعتقاد ، وحرية العبادة وحرية الرأي والتعبير عنه ، وحرية العمل ، وحرية التنقّل . . . إلخ . وأمّا الإسلام فلم يقرر حريات عامة للمواطن وأنّما نصّ على عدد من الحقوق والواجبات ، بحيث يحقّ لأي مسلم ، مهما كان أصله ولونه وجنسه ومنبته الاجتماعي ، أن يتمتّع بهذه الحقوق بشرط تنفيذ الواجبات نفسها المتعلقة بها . وفي الوقت الذي يمكن فيه تضييق الحريات العامة أو حتّى تعليقها بحسب درجة ليبرالية الحكم في البلدان الديمقراطية المعاصرة ، لا يملك أي شخص أو سلطة في الإسلام حرمان أيّ مسلم
هامش
( 1 ) المجتمع الإسلامي للسيد تقي المدرسي ص 196 ، مكتب المدرسي ط الخامسة .
( 2 ) تعريف كتب التعجيم القانوني هذا المصطلح بأنّه حريات تعتبر حقّاً للفرد وتتحدّد بما لايسبب الضرر للآخرين . معجم المصطلحات القانونية للدكتور عبد الواحد كرم ص 183 .