تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
ولكن سرعان ما انتُزِع هذا الدور أيضاً من الإمام ، وجَرَّدت السلطةُ الإمامَ عليّاً من كلا الخطّين ، وتراكمت من خلال التطبيق الأخطاء ، وفَسَحت خلافة عثمان للعناصر المستغلِّة أن تظهر على المسرح من جديد ، وأخذت الرواسب التي كانت في طريق الاستئصال تبرز شيئاً بعد شي ، واستيقظت مطامع المستغلين الذين حاربوا الإسلام بالأمس ، وأدّى ذلك بالتدريج إلى استيلاء أعداء الإسلام القدامى ، على الحكم بعد عصر الخلفاء ، إذ أعلن معاوية عن نفسه خليفةً للمسلمين بقوّة الحديد والنار ، وكان ذلك أعظم مأساة في تأريخ الإسلام . ولم يترك الأئمّة - على الرغم من إبعادهم عن مركزهم الطبيعي في الزعامة الإسلامية - مسؤوليّاتهم القيادية ، وظلّوا باستمرار التجسيدَ الحيَّ الثوريَّ للإسلام ، والقوةَ الرافضةَ لكلّ ألوان الانحراف والاستغلال ، وقد كلَّف الأئمّة ذلك حياتهم الواحد بعد الآخر ، واستُشهِد الأئمّة الأحد عشر من أهل البيت بين مجاهد يخرّ صريعاً في ساحة الحرب ، ومجاهد يعمل من أجل كرامة الامّة ، ومقاومة الانحراف ، فيُغتال بالسيف أو السمّ . وقد فَرض هذا الواقع المرير - ضمن تفصيلات لايتّسع لها هذا البحث - أن يقرِّر الإمام الثاني عشر بأمر من اللَّه تعالى التواري عن الأنظار ، انتظاراً للَّحظة المناسبة ، التي تتهيّأ فيها الظروف الموضوعية للظهور ، وإنشاء مجتمع التوحيد في العالم كلّه . وكانت غيبة الإمام صدمةً مريرةً لقواعده الشعبية ، وكان بالإمكان أن تؤدّي إلى تفتّتها وضياعها ، غير أنّ الإمام تدرّج في الغيبة علاجاً لآثار هذه الصدمة ، فبدأ بالغيبة الصغرى التي كان يتّصل فيها مع الخواصّ من شيعته ، حتّى أَلِفَ المسلمون هذا الوضع ، فأعلن عن الغيبة الكبرى ، وبذلك بدأت مرحلة جديدة من خطّ الشهادة تمثّلت في المرجعية . وتميّز في هذه المرحلة خطّ الشهادة عن خطّ الخلافة ، بعد أن كانا مندمجَين في