المرحلة إذاً كانت الخلافة والحكم للجماعة البشرية نفسها ، وكان خطّ الشهادة للإشراف ، والتوجيه ، والتدخّل إذا تطلّب الأمر .
الدور الثالث : مرحلة الاختلاف
وبعد أن مرّت على البشرية فترة من الزمن ، وهي تمارس خلافتها من خلال مجتمع موحّد ، تحقّقت نبوءة الملائكة ، وبدأ الاستغلال والتناقض في المصالح ، والتنافس على السيطرة والتملّك ، وظهر الفساد وسفك الدماء ؛ وذلك لأنّ التجربة الاجتماعية نفسها ، وممارسة العمل على الأرض نمَّت خبرات الأفراد ، ووسّعت إمكاناتهم ، فبرزت ألوان التفاوت بين مواهبهم وقابلياتهم ، ونجم عن هذا التفاوت اختلاف مواقعهم على الساحة الاجتماعية ، وأتاح ذلك فرض الاستغلال لمَن حظي بالموقع الأقوى ، وانقسم المجتمع بسبب ذلك إلى : أقوياء ، وضعفاء ، ومتوسّطين ، وبالتالي إلى مستغلِّين ومستضعَفين ، وفقدت الجماعة البشرية بذلك وحدتها الفطرية ، وصدق قول اللَّه تعالى في آية تحمّل الإنسان للأمانة ، التي أشفقت منها السماوات والأرض ، إذ قال :
( وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا )
« 1 »
.
وعلى هذا الأساس لم يَعُد في المنطق الربّاني للأقوياء المستغلِّين ، موقع في الخلافة العامّة للجماعة البشرية ؛ لأنّ هذه الخلافة أمانة ، كما تقدّم ، ومَن خان الأمانة لم يَعُد أميناً .
وأمّا المستضعفون فمَن يواكب منهم الظلم ، ويسير في اتّجاهه ، ويخضع للاستغلال ، يُعتبر في المفهوم القرآني ظالماً لنفسه ، وبالتالي خائناً لأمانته ، فلا يكون جديراً بالخلافة . ويظلّ في موقعه من الخلافة أولئك المستضعفون ، الذين لم يظلموا أنفسهم ، ولم يستسلموا للظلم ، فهؤلاء هم الورثة الشرعيّون للجماعة البشرية في
هامش
( 1 ) الأحزاب : 72 .