تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
وواضح من خلال المقارنة أنّ الأساس الثاني وحده هو الذي يشكِّل الخلفيّة الحقيقية للثورة ، والرصيد الروحي القادر على جعلها ثورةً بدلًا عن تجميدها في منتصف الطريق ، بينما الأساس الأوّل ، لا يمكن أن ينجز سوى ثورة نسبية تتغيّر فيها مواقع الاستغلال . غير أنّ مجرّد ذلك لا يكفي وحده لاختيار الأساس الثاني ، واعتماد المستضعَفين له في كفاحهم ؛ ذلك لأنّ الأساس الثاني يتوقّف على تربية للمحتوى الداخلي للثائرين أنفسهم ، وإعداد روحيّ ونفسيّ - من خلال التعبئة والممارسة الثوريّتين - يطهِّرهم من مشاعر الاستغلال ، ويستأصل من نفوسهم الحرص المسعور على طيّبات هذه الحياة ، وثرواتها المادّية ، سواء كان حرصاً مسعوراً في حالة هيجان ، كما في نفوس المستغلِّين ، أم في حالة كبت ، كما في نفوس المستضعفين . وهذه التربية لا يمكن أن تبدأ من داخل الجماعة التي انحرفت مسيرتها ، وتمزّقت وحدتها ، بل لابدّ من تربية تتلقّاها ، ولابدّ من هدىً ينفذ إلى قلوبها من خارج الظروف النفسية التي تعيشها . وهنا يأتي دور الوحي والنبوّة :
( فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ )
« 1 »
.
وتتحقّق بذلك كلمة اللَّه :
( إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ )
« 2 » بعد أن تحقّقت نبوءة الملائكة . فالوحي وحده هو القادر على أن يؤمِّن التربية الثورية ، والخلفيّة النفسية الصالحة ، التي تنشئ ثائرين لا يريدون في الأرض علوّاً ولا فساداً ، وتجعل من المستضعَفين أئمّةً ؛ لكي يتحمّلوا أعباء الخلافة بحقٍّ ، ويكونوا هم الوارثين :
( تِلْكَ
هامش
( 1 ) البقرة : 213 . ( 2 ) المصدر السابق : 30 .
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 438 | السيد منذر الحكيم