تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
هكذا جسّدت الدولة الإسلامية المَثل الأعلى للمساواة بين الحاكمين والمحكومين في القضاء والعدل ، كما جسّدت في حياة الحاكم الخاصّة القدوة الحقيقية والسلوة الروحية لكلّ المستضعفين في الأرض ؛ لأنّ الحاكم كان يعيش كأيّ مواطن اعتياديّ ، لايتميّز عليهم بقصور عالية ، ولا بسيارات فارهة ، ولا ببذخ في الموائد والأثاث ، ولا بألوان التفنّن في اقتناء التحف والمجوهرات . قال الإمام عليّ عليه السلام : « أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون اسوةً لهم في جشوبة العيش » « 1 » . هكذا يعلِّم الإسلام الحاكم ، بأنّ الحكم ليس وسيلةً للاستمتاع بملاذّ الدنيا ، ولا أداةً للتميّز عن الآخرين في مظاهر الحياة وزينتها ، وإنّما هو مسؤولية ، وخلافة ، ومشاركة للمستضعفين في همومهم . وإذا تجاوزنا تأريخ التجربة إلى واقعها المعاصر ، وجدنا أنّ ذلك العَلوي العظيم « 2 » الذي قاد كفاح شعبه تحت راية الإسلام حتّى نصره اللَّه ، وسقطت في يده إمبراطورية الشاه بكلّ خزائنها ، ورجع إلى بلده رجوع الفاتحين - لم يؤثر على بيته القديم بيتاً ، بل عاد إلى نفس البيت الذي نفاه الجبّارون منه قبل عشرين عاماً تقريباً ، ليقدِّم الدليل على أنّ الإمام عليّاً عليه السلام لم يكن شخصاً معيّناً وقد انتهى ، وإنّما هو خطّ الإسلام الذي لا ينتهي . ولا شكّ في أنّ هذا الخطّ الذي تحقّقه الدولة الإسلامية يفجّر في المواطنين طاقات هائلةً ، ويمدّهم بزخم روحيّ كبير ، ويجعل كلّ فرد يشعر بأنّ استجابته لعملية البناء التي تقودها الدولة ، هي استجابة لكرامته وعزّته على الأرض .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ج 3 ص 72 ، الكلمة 45 ، ومن كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري ، وهو عامله على البصرة . ( 2 ) أي الإمام آية اللَّه العظمى السيّد الخميني قائد الثورة الإسلامية في إيران .