ومن المدلولات السياسية للدولة الإسلامية تعاملها على الساحة الدولية ، فإنّها تتعامل لا على أساس الاستغلال وامتصاص الشعوب الضعيفة ، كما تصنع الحضارة الغربية ، ولا على أساس المصالح المتبادلة ، كما تدّعي هذه الحضارة ، بل على أساس الحقّ والعدل ، ونصرة المستضعفين على الأرض .
والحقّ والعدل حقيقة تملأ ضمير الدولة الإسلامية ، وليس مجرّد عناوين تُستغلّ وتُستثمر وفقاً للمصلحة ، كما دأبت على ذلك هيئة الأُمم المتّحدة ، وكلّ الهيئات الدولية عادةً .
فإذا التقت قضية حقّة مع مصلحة دولة كبرى ، وجد الحقّ لساناً معبّراً عنه في قاعات الأُمم المتّحدة ، بقدر الارتباط المصلحي ، وأمّا إذا لم تجد أيّ دولة كبرى مصلحةً لها في تبنّي هذا الحقّ ، فلن يجد هذا الحقّ أيّ قدرة له على اجتياز أسوار الأُمم المتّحدة .
وفي تأريخ التجربة الإسلامية أمثلة فريدة في هذا المجال ، نجدها حتّى في الفترات التي شجبت فيها التجربة ، وعصفت بها أهواء كثير من الظالمين .
ولنذكر مثالًا لا من عهد الرسول الأعظم والخلفاء ، بل من عهد أقلّ تألّقاً منه بكثير ، ففي عصر عمر بن عبد العزيز كان جيش المسلمين بقيادة قتيبة قد اتّفق مع أهل سمرقند على بنود معيّنة ، ودخل البلد ولم يفِ لأهل البلد بما اتّفق معهم عليه من التزامات ، فشكاه أهالي البلاد إلى الخليفة ، فأمر الخليفة قائده الفاتح وممثّلي أهالي البلاد بالمثول بين يدَي القاضي ؛ ليحكم بينهم بالعدل ، فحكم القاضي لأهل البلاد وألزم الجيش الفاتح بالانسحاب ، فهل رأيتم أو سمعتم أنّ جيشاً فاتحاً يُرغَم على الانسحاب ، لا من قبل هيئة دولية أو مؤسّسة عالمية ، بل من قِبل القضاء الذي ينتمي إلى نفس الدولة ، التي ينتمي إليها الجيش ؟ ! « 1 » .
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري : ج 6 ص 567 - 568 .