تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
ومن المدلولات السياسية للدولة الإسلامية ، الوضع الواقعي الذي يعيشه الحاكم والحاكمون في الدولة الإسلامية ، فإنّهم يعيشون مواطنين اعتياديّين في حياتهم الخاصّة ، وسلوكهم مع الناس ، ومساكنهم التي يسكنونها ، وعلاقاتهم مع الآخرين . وإنّما أتحدّث هنا عن الوضع الواقعي للحاكم والحاكمين ؛ لأنّي أعلم أنّ الوضع القانوني الذي لايتجسّد في واقع الحياة ، لايهزّ إنساناً ، ولايحقّق القدوة الصالحة في واقع الحياة ، فما أسهلها من لعبة تشريعية على الطغاة والجبّارين أن يصوغوا للشعوب التي يحكمونها دساتيرها ، ويملأون هذه الدساتير بمفاهيم المساواة بين الحاكم والمحكومين ، ولكنّها تظلّ في واقع الحياة مجرّد ألفاظ ، لاعطاء فيها ولا بناء ، وليس لها من دور إلّاالتستّر على واقع التناقض بين حياة الحاكم وحياة المحكومين ، وامتيازات الحاكم وهَوَان المحكومين . بينما هذه المفاهيم لا تُطرح في الدولة الإسلامية على مستوى نقوش جميلة في لوحة الدستور ، بل على مستوى تطبيق عمليّ وممارسة فعلية في واقع الحياة . وتأريخ التجربة الإسلامية وواقعها المعاصر شاهدان حيّان على ذلك ، ففي تأريخ التجربة وقف رئيس الدولة الإسلامية الإمام عليّ عليه السلام بين يدي القاضي مع مواطن اعتياديّ شكاه إلى القاضي ، فأحضرهما القضاء لكي يقضي بينهما « 1 » . وفي مرّة سابقة على ذلك ، رفع يهوديّ مواطن في الدولة الإسلامية شكوى على الإمام عليه السلام إلى الخليفة عمر ، فأحضر عمرُ اليهوديَّ وابن عمّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله معاً في مجلس القضاء ، وحينما استمع إلى كلام كلّ منهما لاحظ على الإمام شيئاً من التأثّر ، وخُيِّل له أنّ الإمام ساءه أن يحضر في مجلس القضاء مع مواطن يهودي ، فقال الإمام عليه السلام لعمر : « إنّي استأتُ لأنّك لم تساوِ بينه وبيني ، إذ كنّيتني ولم تُكنِّه » « 2 » .
هامش
( 1 ) الغارات : ص 74 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة : ج 17 ص 65 .