الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
« 1 »
وأمّا حينما تُتّخذ الدنيا طريقاً للآخرة - أداة تنمّي الإنسان في إطار خيراتها وجوده الحقيقي ، وعلاقته باللَّه ، وسعيه المستمرّ نحو المُطلَق في عملية البناء والإبداع والتجديد - فإنّ الدنيا تتحوّل في هذه النظرة العظيمة من كونها مسرحاً للتنافس والتكالب على المال ، إلى مسرح للبناء الصالح والإبداع المستمرِّ :
( وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ )
« 2 » . وجاء في الحديث :
« بِعْ دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً ، ولا تَبِعْ آخرتك بدنياك فتخسرهما
جميعاً » « 3 » .
ولم يطرح الإسلام النظرة الطريقية إلى الدنيا ، بوصفها مجرّد تصوّر ذهنيّ بحت ، بل ربط النظرة بالسلوك الذي يجسِّدها ، ودعا إلى إنزال هذه النظرة إلى مستوى الواقع ، والتعامل مع طيّبات الدنيا على أساسها .
وقد حدّد الإسلام التعبير العملي لهذه النظرة ، فقال الرسول صلى الله عليه وآله : « ألهاكم التكاثر ، يقول ابن آدم : مالي مالي ! وهل لك من مالك إلّاما تصدّقت فأبقيت ، أو أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ؟ » « 4 » .
فلكلّ إنسان يؤمن بالنظرة الإسلامية إلى الدنيا ويجسِّدها في سلوكه ، أن يأخذ من الدنيا ويستمتع بالحلال من طيّباتها بقدر حاجته ؛ لأنّ الدنيا وضعت في الأساس لسدّ الحاجة ، لا للاكتناز والتكاثر ، وما دامت لاتشكِّل للإنسان هدفه ، وإنّما تجدِّد قدرته باستمرار على مواصلة الكدح في طريقه إلى ربّه ، وتحقيق هدفه ، فمن
هامش
( 1 ) آل عمران : 14 .
( 2 ) القصص : 77 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 13 ص 422 ح 17 .
( 4 ) المستدرك على الصحيحين : ج 4 ص 322 ، كتاب الرقاق ، مع اختلاف يسير .