يصنع التأريخ من جديد - لم تنطفئ الشعلة في نفسه طيلة المدّة التي كان اللَّه تعالى هدفه الحقيقي فيها ، بل كان يستمدّ من العدل المُطلَق - الذي يمثّله هذا الهدف العظيم - وقود معركته التي لا تنتهي ، وتحرّكه الذي لا يخمد ضدّ ظلم الظالمين ، وجبروت الطغاة ، لا في قريته فحسب ، ولا في جزيرته خاصّةً ، ولا بين أفراد قومه فقط ، بل في كلّ أرجاء الدنيا .
وقد اهتزّ كسرى بجبروته حينما سأل عبادة بن الصامت ، مستهزئاً عمّا دعا المسلمين إلى التفكير في غزو إمبراطوريته ، فردَّ عليه بأنّ الجيش الإسلامي جاء لتحرير المظلومين « 1 » .
وهذا يعني أنّ العدل المُطلَق لا ينفد ، وأنّ الهدف المُطلَق يظلّ دائماً قادراً على التحريك والعطاء :
( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً )
« 2 »
.
فالتركيب العقائدي للدولة الإسلامية - الذي يقوم على أساس الإيمان باللَّه وصفاته ، ويجعل من اللَّه هدفاً للمسيرة ، وغايةً للتحرّك الحضاري الصالح على الأرض - هو التركيب العقائدي الوحيد ، الذي يمدّ الحركة الحضارية للإنسان بوقود لا ينفد .
ومن أجل ذلك شجب الإسلام أيَّ اتّجاه إلى تحويل الأهداف النسبية والمرحلية إلى هدف مُطلَق ؛ لأنّ ذلك يعيق الحركة عن الاستمرار ، وتجاوز الهدف النسبي في مرحلة تالية .
فالمسلم حينما يقاوم الظلم في قريته ، أو في بلده ، أو في بني قومه مثلًا ، لايعزل
هامش
( 1 ) راجع الكامل في التأريخ : ج 2 ص 463 . والبداية والنهاية : ج 7 ، ص 46 . وفيها القائل هو ربعي بن عامر ، وليس عبادةبن الصامت .
( 2 ) الكهف : 109 .