تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
هذا الظلم عن أيّ ظلم آخر يمارسه الجبّارون على الأرض ، ولا يجعل إزالة هذا الظلم خاصّةً هدفاً نهائياً ومُطلَقاً له ؛ لأنّ في ذلك إقراراً ضمنياً بما يمارس من ظلم في أرجاء العالم ، وإنّما يقاوم الظلم الذي يواجهه في محيطه ، بوصفه ظلماً من الإنسان ، لأخيه الإنسان . وبذلك وحده يكون قادراً على إعادة دور عبادة بن الصامت ، الذي انطلق مع إخوانه من جزيرة العرب ؛ لكي يحرِّروا الفلاحين المظلومين في أقصى بلاد فارس .

ب - أخلاقية التركيب العقائدي للدولة وتحرير الإنسان من الانشداد إلى الدنيا

إنّ إقامة الحقّ والعدل وتحمّل مشاق البناء الصالح ، بحاجة إلى دوافعَ تنبع من الشعور بالمسؤولية ، والإحساس بالواجب ، وهذه الدوافع تواجه دائماً عقبةً تحول دون تكوّنها أو نموّها . وهذه العقبة هي الانشداد إلى الدنيا وزينتها ، والتعلّق بالحياة على هذه الأرض مهما كان شكلها ، فإنّ هذا الانشداد والتعلّق يجمِّد الإنسان في كثير من الأحيان ، ويوقف مساهمته في عملية البناء الصالح ؛ لأنّ المساهمة في كلّ بناء كبير تعني كثيراً من ألوان الجهد والعطاء ، وأشكالًا من التضحية والأذى في سبيل الواجب ، وتحمّلًا شجاعاً للحرمان من أجل سعادة الجماعة البشرية ورخائها . وليس بإمكان الإنسان المشدود إلى زخارف الدنيا ، والمتعلِّق بأهداف الحياة الأرضية ، أن يتنازل عن هذه الطيّبات الرخيصة ، ويخرج عن نطاق همومه اليومية الصغيرة إلى هموم البناء الكبيرة ، فلا بدّ لكي تجنّد طاقات كلّ فرد للبناء الكبير ، من تركيب عقائدي له أخلاقية خاصّة ، تربّي الفرد على أن يكون سيّداً للدنيا لا عبداً لها ، ومالكاً للطيّبات لا مملوكاً لها ، ومتطلِّعاً إلى حياة أوسع وأغنى من حياة الأرض ، ومؤمناً بأنّ التضحية بأيِّ شي على الأرض ، هي تحضير بالنسبة إلى تلك الحياة التي أعدّها اللَّه للمتّقين من عباده .
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 384 | السيد منذر الحكيم