تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
ومن هنا واجهت المادّية التأريخية مشكلةً في ما يتّصل بتصوّراتها عن مسار التطوّر البشري ، وفقاً لقوانين الديالكتيك ، وهي أنّ الهدف اللاواعي ، الذي تفترضه الماركسية لحركة التأريخ ومسيرة الإنسان ، هو إزالة العوائق الاجتماعية عن نموِّ القِوى المنتِجة ، ووسائل الإنتاج ، وذلك بالقضاء على المُلكية الخاصّة ، وإقامة المجتمع الشيوعي . فإذا كان هذا هو هدف المسيرة ، فهذا يعني أنّها ستتوقّف ، وأنّ التطوّر سيتجمّد في اللحظة التي يقوم فيها المجتمع الشيوعي . إنّ تحرير وسيلة الإنتاج من علاقات التوزيع المعيقة إذا كان هو الهدف المحرِّك للتأريخ ، فسوف يتوقّف التأريخ عند تحريرها ، وتجفّ كلّ ما في الإنسان من طاقات التطوّر والإبداع . والحقيقة أنّ الهدف الوحيد الذي يضمن للتحرّك الحضاري للإنسان ، أنْ يواصل سيره وإشعاعه وجذوته باستمرار ، هو الهدف الذي يقترب منه الإنسان باستمرار ، ويكتشف فيه - كلّما اقترب منه - آفاقاً جديدةً ، وامتدادات غير منظورة ، تزيد الجذوة اتّقاداً ، والحركة نشاطاً ، والتطوّر إبداعاً . وهنا يأتي دور الدولة الإسلامية لتضع اللَّه هدفاً للمسيرة الإنسانية ، وتطرح صفات اللَّه وأخلاقه كمعالمَ لهذا الهدف الكبير ، فالعدل ، والعلم ، والقدرة ، والقوّة ، والرحمة ، والجود ، تشكِّل بمجموعها هدف المسيرة للجماعة البشرية الصالحة ، وكلّما اقتربت خطوةً نحو هذا الهدف ، وحقّقت شيئاً منه ، انفتحت أمامها آفاق أرحب ، وازدادت عزيمةً وجذوةً لمواصلة الطريق ؛ لأنّ الإنسان المحدودمكن أنْ يصل إلى اللَّه المُطلَق ، ولكنّه كلّما توغّل في الطريق إليه اهتدى إلى جديد ، وامتدّ به السبيل سعياً نحو المزيد :
( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا )
« 1 » ومن هنا نلاحظ أنّ إنسان الدولة الإسلامية - الذي انطلق في مطلع تأريخ هذه الامّة ، لكي
هامش
( 1 ) العنكبوت : 69 .