عن طريق الممارسات العبادية ؛ لأن العبادة واجب غيبي ، ونقصد بكونها واجباً غيبياً أنّ ضبطها بالمراقبة من خارج أمر مستحيل ، فلا يمكن ان تنجح أيّ اجراءات خارجية لغرض الإتيان بها ؛ لأنّها متقوّمة بالقصد النفسي ، والربط الروحي للعمل باللَّه ، وهذا أمر لا يدخل في حساب الرقابة الموضوعية من خارج ، ولا يمكن لأيّ إجراء قانوني أن يكفل تحقيقه ، وإنّما الرقابة الوحيدة الممكنة في هذا المجال ، هي الرقابة الناتجة عن الارتباط بالمُطلَق بالغيب ، الذي لا يعزب عن علمه شي ، والضمان الوحيد الممكن على هذا الصعيد هو الشعور الداخلي بالمسؤولية . وهذا يعني أنّ الإنسان الذي يمارس العبادة يباشر واجباً يختلف عن أيّ واجب أو مشروع اجتماعي آخر ، فحين يقترض ويوفّي الدين ، أو حين يعقد صفقة وينفّذ شروطها ، وحين يستعير مالًا من غيره ثمّ يعيده إليه ، يباشر بذلك واجباً يدخل في نطاق الرقابة الاجتماعية رصده ، وبهذا قد يدخل بشكل آخر التحسّب لردّ الفعل الاجتماعي على التخلّف عن أدائه ، في اتّخاذ الإنسان قراراً بالقيام به .
وأمّا الواجب العبادي - الغيبي - الذي لا يعلم مدى مدلوله النفسي إلّااللَّه سبحانه وتعالى ، فهو نتيجة للشعور الداخلي بالمسؤولية ، ومن خلال الممارسات العبادية ينمو هذا الشعور الداخل ، ويعتاد الإنسان على التصرّف بموجبه . وبهذا الشعور يوجد المواطن الصالح ، إذ لا يكفي في المواطنة الصالحة أن لايتخلّف الإنسان عن أداء حقوق الآخرين المشروعة ، خوفاً من ردّ الفعل الاجتماعي على هذا التخلّف ، وإنّما تتحقّق المواطنة الصالحة بأنّ لايتخلّف الإنسان عن ذلك ؛ بدافع من الشعور الداخلي بالمسؤولية ؛ وذلك لأنّ الخوف من ردّ الفعل الاجتماعي على التخلّف لو كان وحده هو الأساس لالتزامات المواطنة الصالحة في المجتمع الصالح ، لأمكن التهرّب من تلك الواجبات في حالات كثيرة ، حينما يكون بإمكان الفرد أن يُخفي تخلّفه ، أو يفسّره تفسيراً كاذباً ، أو يحمي نفسه من ردّ الفعل الاجتماعي بشكل
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 379
مساهمون: السيد منذر الحكيم
ص٣٧٩