الإنسان ، ويحافظ على الأمل المشتعل في صدره ، مهما ادلهمّت الخطوب ، وتعملق الظلم ؛ لأنّ اليوم الموعود يثبت أنّ بإمكان العدل أن يواجه عالماً مليئاً بالظلم والجور ، فيزعزع ما فيه من أركان الظلم ، ويقيم بناءه من جديد « 1 » ، وأنّ الظلم مهما تجبّر وامتدّ في أرجاء العالم ، وسيطر على مقدّراته ، فهو حالة غير طبيعية ، ولابدّ أن ينهزم « 2 » . وتلك الهزيمة الكبرى المحتومة للظلم وهو في قمّة مجده ، تضع الأمل كبيراً أمام كلّ فرد مظلوم ، وكلّ امّة مظلومة ، في القدرة على تغيير الميزان وإعادة البناء .
وإذا كانت فكرة المهدي أقدم من الإسلام وأوسع منه ، فإنّ معالمها التفصيلية التي حدّدها الإسلام ، جاءت أكثر إشباعاً لكلّ الطموحات التي أنشدت إلى هذه الفكرة منذ فجر التاريخ الديني ، وأغنى عطاء ، وأقوى إثارة لأحاسيس المظلومين والمعذّبين على مرّ التاريخ ؛ وذلك لأنّ الإسلام حوّل الفكرة من غيب إلى واقع ، ومن مستقبل إلى حاضر ، ومن التطّلع إلى منقِذ تتمخّض عنه الدنيا في المستقبل البعيد المجهول إلى الإيمان بوجود المنقِذ فعلًا ، وتطلّعه مع المتطلّعين إلى اليوم الموعود ، واكتمال كلّ الظروف التي تسمح له بممارسة دوره العظيم . فلم يَعُد المهدي فكرة ننتظر ولادتها ، ونبوءة نتطلّع إلى مصداقها ، بل واقعاً قائماً ننتظر فاعليّته ، وإنساناً معيّناً يعيش بيننا بلحمه ودمه ، نراه ويرانا ، ويعيش مع آمالنا وآلامنا ، ويشاركنا
هامش
( 1 ) إشارة إلى دولة الإمام عليه السلام التي أشار إليها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، راجع : التّاج الجامع للُاصول : ج 5 ص 343 .
( 2 ) إشارة إلى الوعد الإلهي في قوله تعالى :« وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ )القصص : 5 وأيضاً إشارة إلى قوله تعالى :( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )التوبة : 33 . راجع في تفسير الآيتين الإشارة إلى المهدي عليه السلام ينابيع المودة / القندوزي الحنفي : ص 450 .