تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
ونظام العبادات في الشريعة الإسلامية يمثّل أحد أوجهها الثابتة ، التي لاتتأثّر بطريقة الحياة العامّة ، وظروف التطوّر المدني في حياة الانسان الّا بقدر يسير ، خلافاً لجوانب تشريعية أخرى مرنة ومتحرّكة ، يتأثّر أسلوب تحقيقها وتطبيقها بظروف التطوّر المدني في حياة الإنسان ، كنظام المعاملات والعقود . ففي المجال العبادي يصلّي إنسان عصر الكهرباء والفضاء ويصوم ويحجّ كما كان يصلّي ويصوم ويحجّ سلفه في عصر الطاحونة اليدوية . صحيح أنّه في الجانب المدني من التحضير للعبادة قد يختلف هذا عن ذاك ، فهذا يسافر إلى الحجّ بالطائرة ، وذاك كان يسافر ضمن قافلة من الإبل ، وهذا يستر جسده في الصلاة بملابس مصنعة أنتجتها الآلة ، وذاك يستر جسمه بملابس نسجها بيده ، ولكن صيغة العبادة العامّة وطريقة تشريعه واحدة ، وضرورة ممارستها ثابتة لم تتأثّر ، ولم تتزعزع قيمتها التشريعية بالنمو المستمرّ لسيطرة الإنسان على الطبيعة ، ووسائل عيشه فيها . وهذا يعني أنّ الشريعة لم تعطِ الصلاة والصيام والحجّ والزكاة وغير ذلك من عبادات الإسلام كوصفة موقوتة ، وصيغة تشريعية محدودة بالظروف التي عاشتها في مستهلّ تاريخها ، بل فرضت تلك العبادات على الإنسان وهو يزاول عملية تحريك الآلة بقوى الذرة ، كما فرضتها على الإنسان الذي كان يحرث الأرض بمحراثه اليدوي . ونستنتج من ذلك أنّ نظام العبادات يعالج حاجة ثابتة في حياة الإنسان ، خُلقت معه ، وظلّت ثابتة في كيانه ، على الرغم من التطوّر المستمرّ في حياته ؛ لأنّ العلاج بصيغة ثابتة يفترض أنّ الحاجة ثابتة ، ومن هنا يبرز السؤال التالي : هل هناك حقاً حاجة ثابتة في حياة الإنسان منذ بدأت الشريعة دورها التربوي للإنسان ، وظلّت حاجة إنسانية حيّة باستمرار إلى يومنا هذا ؛ لكي نفسّر على أساس ثباتها ثبات