تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
في عنقه . والإمامة المعروضة على السماوات والأرض والإنسان ، والتي أبت الكائنات من حملها ؛ لِمَا لاتتّصف به من الكفاءات اللازمة لها ، وحَمَلها الإنسان العاقل المريد المختار ؛ لِمَا يتّصف به من قابليات جعلته قادراً على حملها ، والتكيّف حسب مقتضياتها ومتطلّباتها ، هذه الأمانة ( أمانة الخلافة والمسؤولية الربّانية ) هي الوجه التقبّلي للخلافة . والخلافة هي الوجه الفاعلي والعطائي للأمانة . وهذه الأمانة لم تُعرض على الإنسان بوصفها تكليفاً أو طلباً ؛ لأنّها كانت معروضة على الأرض والجبال ولا معنى لتكليفها ، اذاً فهو عرض تكويني لاتشريعي . وهذا معناه إنّ هذا العرض الرباني كان يفتّش عن الموضع القابل لها في الطبيعة ، بحيث ينسجم معها بنظرته وبتركيبه ، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي تتقبّل بُنيته هذه الأمانة والمسؤولية . والاستئمان معناه زرع رقيب داخل الإنسان ، يراقب أفعاله وصفاته وسلوكه إزاء هذه الأمانة والمسؤولية ، ويدعوه إلى الإحساس بالواجب دائماً وأبداً . فالأمانة عهد ، والعهد هو المسؤولية كما قال تعالى :
( إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا )
« 1 »
.
ومن هنا لم يكن الإنسان متحوّلًا ، إلّاأن يحكم بموجب حكم اللَّه المستخلِف ، وهو الحكم بالحقّ ، والدين الحقّ هو الذي يحمّل الإنسان هذه الأمانة ، ويجعل منه رقيباً على نفسه . وهذه الرقابة إن لم تكن مضمونة ، فهي أرضية خصبة للاستواء والتكامل والتسامي باتّجاه الحقّ . ولئن كان الإنسان معرّضاً للانهيار والانحراف ، فالدين قد أوجد له كلّ مقتضيات التكامل ومتطلّبات السمو والرفعة ، ومع ذلك فقد زوّده بما يضمن له التوقّي من الانحراف كما سيتّضح في الدور الخامس للدين إن شاء اللَّه تعالى .
هامش
( 1 ) الإسراء : 34 .
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 356 | السيد منذر الحكيم