تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
وهذا هو الإسلام في أخصر عبارة وأروعها : فهو عقيدة معنوية وخُلقية ، ينبثق عنها نظام كامل للإنسانية ، يرسم لها شوطها الواضح المحدّد ، ويضع لها هدفاً أعلى في ذلك الشوط ، ويعرِّفها على مكاسبها منه . وأمّا أن يُقضى على الفهم المعنوي للحياة ، ويُجرّد الإنسان عن إحساسه الخُلقي بها ، وتعتبر المفاهيم الخُلقية أوهاماً خالصةً خلقتها المصالح المادّية ، والعامل الاقتصادي هو الخلّاق لكلّ القيم والمعنويات ، وترجى بعد ذلك سعادة للإنسانية ، واستقرار اجتماعي لها ، فهذا الرجاء الذي لايتحقّق ، إلّاإذا تبدّل البشر إلى أجهزة مكيانيكية ، يقوم على تنظيمها عدّة من المهندسين الفنيّين . وليست إقامة الإنسان على قاعدة ذلك الفهم المعنوي للحياة ، والإحساس الخُلقي بها عملًا شاقّاً وعسيراً ، فإنّ الأديان في تأريخ البشرية قد قامت بأداء رسالتها الكبيرة في هذا المضمار ، وليس لجميع ما يحفل به العالم اليوم من مفاهيم معنوية ، وأحاسيس خُلقية ، ومشاعر وعواطف نبيلة ، تعليل أوضح وأكثر منطقيةً من تعليل ركائزها وأسسها بالجهود الجبّارة ، التي قامت بها الأديان لتهذيب الإنسانية ، والدافع الطبيعي في الإنسان وما ينبغي له من حياة وعمل . وقد حمل الإسلام المشعل المتفجّر بالنور ، بعد أن بلغ البشر درجةً خاصّةً من الوعي ، فبشّر بالقاعدة المعنوية والخُلقية على أوسع نطاق وأبعد مدى ، ورفع على أساسها رايةً إنسانيةً ، وأقام دولةً فكريةً أخذت بزمام العالم ربع قرن ، واستهدفت إلى توحيد البشر كلّه ، وجمعه على قاعدة فكرية واحدة ، ترسم أسلوب الحياة ونظامها . فالدولة الإسلامية لها وظيفتان : إحداهما : تربية الإنسان على القاعدة الفكرية ، وطبعه في اتّجاهه وأحاسيسه بطابعها ، ( وهذا هو الحلّ الثاني الذي يقدّمه الدين للمجتمع الإنساني ) . والأخرى : مراقبته من خارج ، وإرجاعه إلى القاعدة الفكرية إذا انحرف عنها
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 306 | السيد منذر الحكيم