تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
تعالى . ورضا اللَّه - هذا الذي يقيمه الإسلام مقياساً عامّاً في الحياة - هو الذي يقود السفينة البشرية إلى ساحل الحقّ والخير والعدالة . فالميزة الأساسية للنظام الإسلامي تتمثّل في ما يرتكز عليه من فهم معنويٍّ للحياة ، وإحساس خُلقيّ بها ، والخطّ العريض في هذا النظام هو : اعتبار الفرد والمجتمع معاً ، وتأمين الحياة الفردية والاجتماعية بشكل متوازن . فليس الفرد هو القاعدة المركزية في التشريع والحكم ، وليس الكائن الاجتماعي الكبير هو الشئ الوحيد الذي تنظر اليه الدولة ، وتشرِّع لحسابه . وكلّ نظام اجتماعي لاينبثق عن ذلك الفهم والإحساس ، فهو إمّا نظام يجري مع الفرد في نزعته الذاتية ، فتتعرّض الحياة الاجتماعية لأقسى المضاعفات وأشدّ الأخطار . وإمّا نظام يحبس في الفرد نزعته ويشلّ فيه طبيعته ؛ لوقاية المجتمع ومصالحه . فينشأ الكفاح المرير الدائم بين النظام وتشريعاته والأفراد ونزعاتهم ، بل يتعرّض الوجود الاجتماعي للنظام دائماً للانتكاس على يد منشئيه ، ما دام هؤلاء يحملون نزعات فرديةً أيضاً ، وما دامت هذه النزعات تجد لها - بكبت النزعات الفردية الأخرى وتسلّم القيادة الحاسمة - مجالًا واسعاً وميداناً لا نظير له للانطلاق والاستغلال . وكلّ فهم معنويٍّ للحياة وإحساس خُلقيّ بها ، لاينبثق عنهما نظام كامل للحياة يحسب فيه لكلّ جزء من المجتمع حسابه ، وتعطى لكلّ فرد حرّيته ، التي هذّبها ذلك الفهم والإحساس ، والتي تقوم الدولة بتحديدها في ظروف الشذوذ عنهما ، أقول : إنّ كلّ عقيدة لاتلد للإنسانية هذا النظام ، فهي لا تخرج عن كونها تلطيفاً للجوّ وتخفيفاً من الويلات ، وليست علاجاً محدوداً وقضاءً حاسماً على أمراض المجتمع ومساوئه ، وإنّما يُشاد البناء الاجتماعي المتماسك على فهم معنويٍّ للحياة ، وإحساس خُلقيّ بها ، ينبثق عنهما نظام يملأ الحياة بروح هذا الإحساس ، وجوهر ذلك الفهم .