تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢

الاتّجاه القرآني الموضوعي والاتّجاه اللاهوتي الغيبي

وقد يتوّهم البعض أنّ هذا الطابع الغيبي الذي يُلبسه القرآن الكريم للتاريخ ، وللسُنن التاريخية ، يُبعد القرآن عن التفسير العلمي الموضوعي للتاريخ ، ويجعله يتّجه اتّجاه التفسير الإلهي للتاريخ ، الذي مثّلته مدرسة من مدارس الفكر اللاهوتي ، على يد عدد كبير من المفكرين المسيحيين اللاهوتيين ، حيث فسّروا التاريخ تفسيراً إلهياً ، قد يُخلط هذا الاتّجاه القرآني بذلك التفسير الإلهي ، الذي اتّجه إليه أغسطين وغيره من المفكرين اللاهوتيين ، فيقال بأن إسباغ هذا الطابع الغيبي على السُنّة التاريخية يحوّل المسألة إلى مسألة غيبية وعقائدية ، ويخرج التاريخ عن إطاره العلمي الموضوعي . لكن الحقيقة أنّ هناك فرقاً أساسياً بين الاتّجاه القرآني ، وطريقة القرآن في ربط التاريخ بعالم الغيب ، وفي إسباغ الطابع الغيبي على السُنّة التاريخية ، وبين ما يُسمّى بالتفسير الإلهي للتاريخ الذي تبنّاه اللاهوت . هناك فرق كبير بين هذين الاتّجاهين ، وهاتين النزعتين . وحاصل هذا الفرق : هو أنّ الاتّجاه اللاهوتي - التفسير الإلهي للتاريخ - يتناول الحادثة نفسها ، ويربط هذه الحادثة باللَّه سبحانه وتعالى قاطعاً صلتها وروابطها مع بقيّة الحوادث ، فهو يطرح الصلة مع اللَّه بديلًا عن صلة الحادثة مع بقيّة الحوادث ، بديلًا عن العلاقات والارتباطات التي تزخر بها الساحة التاريخية ، والتي تمثّل السُنن والقوانين الموضوعية لهذه الساحة . بينما القرآن الكريم لايسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات ، لاينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها مباشرة بالسماء ، طرح صلة الحادثة بالسماء كبديل عن أوجه الارتباط والعلاقات والأسباب والمسبّبات على هذه الساحة التاريخية ، بل إنّه يربط السُنّة التاريخية باللَّه ، يربط أوجه العلاقات والارتباطات باللَّه ، فهو يقرّر أوّلًا
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 252 | السيد منذر الحكيم