تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
ويؤمن بوجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية ، إلّاأنّ هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخية ، هي في الحقيقة تعبير عن حكمة اللَّه سبحانه وتعالى ، وحسن تقديره وبنائه التكويني للساحة التاريخية . إذا أردنا أن نستعين بمثال لتوضيح الفرق بين هذين الاتّجاهين من الظواهر الطبيعية ، نستطيع أن نستخدم هذا المثال : قد يأتي إنسان فيفسّر ظاهرة المطر التي هي ظاهرة طبيعية فيقول : بأنّ المطر نزل بإرادة من اللَّه سبحانه وتعالى ، ويجعل هذه الإرادة بديلًا عن الأسباب الطبيعية التي نجم عنها نزول المطر ، فكأنّ المطر حادثة لا علاقة لها ولا نسب لها ، وإنّما هي حادثة مفردة ترتبط مباشرة باللَّه سبحانه وتعالى بمعزل عن تيار الحوادث . هذا النوع من الكلام يتعارض مع التفسير العلمي لظاهرة المطر ، لكن إذا جاء شخص ، وقال : بأنّ الظاهرة - ظاهرة المطر - لها أسبابها وعلاقاتها وأ نّها مرتبطة بالدورة الطبيعية للماء مثلًا ، الماء يتبخر فيتحول إلى غاز والغاز يتصاعد سحاباً ، والسحاب يتحوّل بالتدريج إلى سائل نتيجة انخفاض الحرارة ، فينزل المطر ، إلّاأنّ هذا التسلسل السببي المتقن ، هذه العلاقات المتشابكة بين هذه الظواهر الطبيعية هي تعبير عن حكمة اللَّه ، وتدبيره ، وحسن رعايته ، فمثل هذا الكلام‌تعارض مع الطابع العلمي ، والتفسير الموضوعي لظاهرة المطر ؛ لأنّنا ربطنا هنا السُنّة باللَّه سبحانه وتعالى ، لا الحادثة مع عزلها عن بقيّة الحوادث ، وقطع ارتباطها مع مؤثّراتها وأسبابها . إذاً القرآن الكريم حينما يُسبغ الطابع الربّاني على السُنّة التاريخية ، لا يريد أن يتّجه اتّجاه التفسير الإلهي في التاريخ ، ولكنّه يريد أن يؤكّد أنّ هذه السُنن ليست هي خارجة ، ومن وراء قدرة اللَّه سبحانه وتعالى ، وإنّما هي تعبير ، وتجسيد ، وتحقيق لقدرة اللَّه ، فهي كلماته ، وهي سُننه ، وإرادته ، وحكمته في الكون ، لكي يبقى الإنسان دائماً مشدوداً إلى اللَّه ، لكي تبقى الصلة الوثيقة بين العلم والإيمان ، فهو في نفس