تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
الوقت الذي ينظر فيه إلى هذه السُنن نظرة علمية ، ينظر أيضاً إليها نظرة إيمانية . وقد بلغ القرآن الكريم في حرصه على تأكيد الطابع الموضوعي للسنن التاريخية ، وعدم جعلها مرتبطة بالصّدف ، أنّ نفس العمليات الغيبية أناطها في كثير من الحالات بالسُنّة التاريخية نفسها أيضاً ، عملية الإمداد الإلهي بالنصر ، الإمداد الإلهي الغيبي الذي يساهم في كسب النصر ، هذا الإمداد جعله القرآن الكريم مشروطاً بالسُنّة التاريخية ، مرتبطاً بظروفها غير منفكّ عنها ، وهذه الروح أبعد ما تكون عن أن تكون روحاً تفسّر التاريخ على أساس الغيب ، وإنّما هي روح تفسّر التاريخ على أساس المنطق والعقل والعلم ، وحتّى ذاك الإمداد الإلهي الذي يساهم بالنصر - ذاك الإمداد أيضاً - رُبط بالسُنّة التاريخية . قرأنا فيما سبق صيغة من صيغ السنن التاريخية للنصر ، حينما قرأنا قوله سبحانه وتعالى :
( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ )
« 1 » . الآن تعالوا نقرأ الآيات التي تتحدّث عن الإمداد الإلهي الغيبي ، لنلاحظ كيف أنّ هذه الآيات ربطت هذا الإمداد الإلهي الغيبي بتلك السُنّة نفسها أيضاً :
( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ )
« 2 »
.
هناك إمداد إلهي غيبي ولكنّه شُرط بسُنّة التاريخ ، شرط بقوله :
( بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا )
. أجملت هنا شروط التاريخ التي فصّلت في الآيات الأخرى . إذاً هذا
هامش
( 1 ) البقرة : 214 . ( 2 ) آل عمران : 124 - 126 .