هل دخل في أنفسهم الرّعب ، فحاولوا أن يتنازلوا عن جزء من مكاسبهم خوفاً من أن يثور العامل عليهم ؟
هل المليونير الأمريكي يخالج ذهنه فعلًا أيّ شبح للخوف من هذه الناحية ؟ أشدّ الناس تفاؤلًا بمصائر الثورة في العالم ، لا يمكنه أن يفكّر في أنّ ثورة حقيقية على الظلم في أمريكا يمكن أن تحدث قبل مئة سنة من هذا التاريخ . فكيف يمكن أن نفترض أنّ المليونير الأمريكي أصبح أمامه شبح الخوف والرعب ، وعلى أساس هذا الشبح تنازل عن جزء من مكاسبه ؟
هل دخلت إلى قلوبهم التقوى فجأة ، واستنارت قلوبهم بنور الإسلام الذي أنار قلوب المسلمين الأوائل ، الذين كانوا لا يعرفون حدّاً للمشاركة والمواساة ، والذين كانوا يشاطرون إخوانهم غنائمهم وسرّاءهم وضرّاءهم ؟
هل تحوّل هؤلاء بين عشيّة وضحاها إلى مسلمين ، إلى قلوب مسلمة ؟
لا ، لم يتحقّق شي من ذلك ، لا ( كارل ماركس ) كان شيء الظنّ بهؤلاء ، ولا أنّ هؤلاء أرعبهم شبح العامل فتنازلوا من أجل إسكاته ، ولا أنّ قلوبهم خفقت بالتقوى ، لم تعرف التقوى ولن تعرف التقوى ؛ لأنّها انغمست في لذّات المال وفي الشهوات ، لم يتحقق شي من ذلك .
إذاً ماذا وقع وكيف نفسّر هذا الذي وقع ؟
هذا الذي وقع في الحقيقة كان نتيجة تناقض آخر عاش مع التناقض الطبقي منذ البداية ، لكن ( ماركس ) والثوّار الذين ساروا على هذا الطريق لم يستطيعوا أنْ يكتشفوا ذلك التناقض ، ولهذا حصروا أنفسهم في التناقض الطبقي ، في التناقض بين المليونير الأمريكي والعامل الأمريكي ، بين الغنيّ الإنجليزي والعامل الإنجليزي ، ولم يدخلوا في الحساب التناقض الآخر الأكبر ، الذي أفرزه جدل الإنسان الاوروبّي ، أفرزه تناقض الإنسان الاوروبّي ، فغطّى على هذا التناقض الطبقي ، بل جمّده ، بل أوقفه إلى فترة طويلة من الزمن .
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 209
مساهمون: السيد منذر الحكيم
ص٢٠٩