المعيشة يعطي فرصة للطبقة الرأسمالية المالكة ، يعطي لها فرصة في أن تخفض أجر العامل ؛ لأنّها لا تريد أن تعطي العامل أكثر ممّا يديم به حياته ونَفَسَه .
إذاً باستمرار تتطوّر الآلة ، وباستمرار تنخفض كُلفة المعيشة ، وباستمرار يخفِّض الرأسمالي اجرة العامل ، هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية أنّ تطوّر الآلة وتعقّدها ، يقتضي إمكانية التعويض عن العدد الكبير من العمّال بالعدد القليل منهم ؛ لأنّ دقّة الآلة ، وعملقة الآلة ، سوف يعوّض عن الجزء الآخر من العمّال ، وهذا يجعل الطبقة الرأسمالية تطرد الفائض من العمّال باستمرار . وهكذا يشتدّ الصراع بين الطبقتين ، ويحتدم التناقض حتّى ينفجر في ثورة ، هذه الثورة تجسّدها الطبقة العاملة ، تقضي بها على التناقض الطبقي في المجتمع ، توحّد المجتمع في طبقة واحدة ، وهذه الطبقة الواحدة تمثّل حينئذٍ كلّ أفراد المجتمع ، وفي حالة من هذا القبيل سوف تستأصل كلّ ألوان التناقض ؛ لأنّ أساس التناقضات هو التناقض الطبقي ، فإذا أزيل التناقض الطبقي زالت كلّ التناقضات الأخرى الفرعية والثانوية .
هذا تلخيص سريع جداً لوجهة نظر هؤلاء الثوار تجاه التناقض الذي عالجناه ، إلّا أنّ هذه النظرة الضيّقة لا تنسجم في الحقيقة مع الواقع ، ولا تنطبق على تيار الأحداث في التاريخ . ليس التناقض الطبقي وليد تطوّر الآلة ، بل هو وليد الإنسان ، هو من صنع الإنسان الاوروبّي . ليست الآلة هي التي صنعت استغلال الرأسمالي للعامل ، ليست الآلة هي التي خلقت النظام الرأسمالي ، وإنّما الإنسان الاوروبّي الذي وقعت هذه الآلة بيده أفرز نظاماً رأسمالياً يجسّد قِيَمه في الحياة وتصوّراته للحياة .
وليس التناقض الطبقي هو الشكل الوحيد من أشكال التناقض ، هناك صيغ كثيرة من التناقض على الساحة الاجتماعية ، وليس التناقض الطبقي هو التناقض الرئيس بالنسبة إلى تلك الأشكال ، وإنّما كلّ هذه الأشكال من التناقض على الساحة الاجتماعية هي وليد تناقض رئيس وهو جدل الإنسان ، هو الجدل المخبوء في
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 206
مساهمون: السيد منذر الحكيم
ص٢٠٦