التمنيّات الطيّبة تحوّلت إلى سراب ، بينما تحققت هذه النبوءات بالنسبة إلى بلاد لم تعش تطوّراً آليّاً ، بل لم تعش تناقضاً طبقياً بالمعنى الماركسي ؛ لأنّها لم تكن قد دخلت الباب العريض الواسع للتطوّر الصناعي ، من قبيل روسيا القيصرية والصين « 1 » .
من ناحية أخرى هل ازداد العمّال بؤساً وفقراً ؟ هل ازدادوا استغلالًا ؟ لا بالعكس ، العمّال ازدادوا رخاءً ، ازدادوا سعة ، أصبحوا مدلّلين من قِبل الطبقة الرأسمالية المستغِلّة ، العامل الأمريكي يحصل على ما لا يطمع به إنسان آخر يشتغل بكدّ يمينه ، ويقطف ثمار عمله ، في المجتمعات الاشتراكية الأخرى .
هل ازدادت النقمة لدى الطبقة العاملة ؟ العكس هو الصحيح ، العمّال ، والهيئات التي تمثّل العمّال في الدّول الرأسمالية المستغلّة ، تحوّلت بالتدريج ، إلى هيئات ذات طابع شبه ديمقراطي ، تحوّلت إلى أشخاص لهم حالة الاسترخاء السياسي ، تركوا هموم الثورة ، تركوا منطق الثورة ، أصبحوا يتصافحون يداً بيد مع تلك الأيدي المستغِلّة ، مع أيدي الطبقة الرأسمالية ، أصبحوا يرفعون شعار تحقيق حقوق العمّال عن طريق النقابات ، وعن طريق البرلمانات ، وعن طريق الانتخابات . هذه الحالة هي حالة الاسترخاء السياسي ، كلّ هذا وقع في هذه الفترة القصيرة من الزمن التي نحسّها ، كيف وقع هذا كلّه ؟ هل كان ( ماركس ) سيّئ الظنّ إلى هذه الدرجة بهؤلاء الرأسماليين ، بهؤلاء المجرمين والمستغِلّين بحيث تنبّأ بهذه النبوءات ، ثمّ ضاعت هذه النبوءات كلّها فلم يتحقّق شي منها ؟
هل كان هذا سوء ظنّ من ( ماركس ) لهؤلاء المستغلّين ؟
هل أنّ هؤلاء الرأسماليين المستغِلّين دخل في نفوسهم الرّعب من ( ماركس ) ومن الماركسية ، ومن الثورات التحرّرية في العالم ؟
هامش
( 1 ) انظر ( اقتصادنا ) : فصل مع الماركسية بتصرّف .