ولا ريب في أنّ القيام بعملية الاجتهاد ليس ممّا يستطيعه الجميع . يقول الشهيد السيد محمّد باقر الصدر بهذا الصدد : ( ولو كانت أحكام الشريعة قد أعطيت كلّها من خلال الكتاب والسنّة ضمن صيغ وعبارات واضحة صريحة لا يشوبها أيّ شك أو غموض لكانت عملية استخراج الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة ميسورة لكثير من الناس ، ولكنها في الحقيقة لم تعطَ بهذه الصورة المحدّدة المتميزة الصريحة ، وإنّما أعطيت منثورة في المجموع الكلي للكتاب والسنّة وبصورة تفرض الحاجة إلى جهد علمي في دراستها ، والمقارنة بينها واستخراج النتائج النهائية منها ، ويزداد هذا الجهد العلمي ضرورة وتتنوع وتتعمق أكثر فأكثر متطلّباته وحاجاته كلّما ابتعد الشخص عن زمن صدور النصّ ) « 1 » .
وقد عبّر صاحب كفاية الأصول المرحوم الخراساني عن التقليد بأنه ( حالة فطرية جِبلية ) « 2 » . وقد قامت عليه السيرة العقلائية الممضاة من قبل الشارع .
ولا يجوز للمجتهد ( في الرأي السائد بين العلماء ) الرجوع إلى غيره ، وذلك لما قيل من أن العلماء اتّفقوا عليه ، لأنّ الأدلّة الدالة على جواز التقليد لاتشمله ، وهناك تفصيلات لا مجال لذكرها هنا .
وبعكس نظرة أهل السنّة إلى أئمتهم بأنهم مجتهدون ممتازون ، فإن الشيعة ينظرون إلى أئمتهم الاثني عشر بأنهم أناس مطهّرون لا يقولون ولا يروون ولا يعبّرون إلّا عن الواقع الذي عبّرت عنه السنّة النبوية ومن هنا فليسوا بمجتهدين وإنّما هم يطرحون واقع الشريعة نقلًا معصوماً عن الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، وبعد ذلك تبدأ عملية اجتهاد مفتوحة لدى علماء الشيعة لم ينغلق بابها مطلقاً ، وإن كانت أحياناً مهدّدة بالإنغلاق لعاملين :
هامش
( 1 ) الفتاوى الواضحة : 4 - 5 .
( 2 ) كفاية الأصول : 2 / 259 طبعة مطبعة الآداب ، النجف الأشرف 1977 م .