الفتوى ، وهذا ما يمكن أن يُطرح مثلًا في مسألة توحيد أوائل الشهور القمرية ، أو مسألة عدم الاعتبار بطلاق الغضبان وغيرها .
ثالثاً : ربّما يجد الباحث المسلم ، لكي يكشف مذهباً حياتياً كالمذهب الاقتصادي الإسلامي ، أو المذهب الاجتماعي ، فتاوى منسجمة بعضها مع الآخر لدى مفتين متعدّدين ، لكنها تشكّل وجهاً واحداً لخط عام ، فإنّه يستطيع أن يطرح ذلك الخطّ كصورة اجتهادية عن المذهب المذكور .
وهذا ما نتصور ان المرحوم الشهيد الصدر فعله - وهو من كبار المجتهدين - في كتابه « اقتصادنا » ، وقال مفسّراً ذلك : « إنّ اكتشاف المذهب الاقتصادي يتمّ خلال عملية اجتهاد في فهم النصوص وتنسيقها ، والتوفيق بين مدلولاتها في إطّراد واحد ، وعرفنا أنّ الاجتهاد يختلف ويتنوّع تبعاً لاختلاف المجتهدين في طريقة فهمهم للنصوص وعلاجهم للتناقضات التي قد تبدو بين بعضها والبعض الآخر ، وفي القواعد والمناهج العامة للتفكير الفقهي التي يتبنونها . كما عرفنا أيضاً أنّ الاجتهاد يتمتّع بصفة شرعية وطابع إسلامي ما دام يمارس وظيفته ، ويرسم الصورة ويحدّد معالمها ، ضمن إطار الكتاب والسنّة ، ووفقاً للشروط العامّة التي لا يجوز اجتيازها .
وينتج عن ذلك كلّه ازدياد ذخيرتنا بالنسبة إلى الاقتصاد الإسلامي ، ووجود صور عديدة له ، كلّها شرعي وكلّها إسلامي ، ومن الممكن حينئذ أن نتخيّر في كلّ مجال أقوى العناصر التي نجدها في تلك الصورة وأقدرها على معالجة مشاكل الحياة وتحقيق الأهداف العليا للإسلام ، وهذا مجال اختيار ذاتي يملك الباحث فيه حريّته ورأيه .
ويضيف : « إنّ ممارسة هذا المجال الذاتي ومنح الممارس حقّاً في الاختيار ضمن الإطار العام للاجتهاد في الشريعة قد يكون أحياناً شرطاً ضرورياً من الناحية الفنيّة لعملية الاكتشاف » .
ثم يضيف متسائلًا : « هل من الضروري أن يعكس لنا اجتهاد كلّ واحد من المجتهدين - بما يتضمّن من أحكام - مذهباً اقتصادياً متكاملًا واسساً موحّدة منسجمة مع بناء تلك الأحكام وطبيعتها .
ماضي المرجعية الشيعية وحاضرها — صفحة 167
مساهمون: الشيخ محمد علي التسخيري
ص١٦٧