بدّ له من الخروج من عهدة التكاليف المتنجّزة في حقّه ، ولا يكفي في ذلك أن يقلّد الغير ، إذ لا يترتّب عليه الجزم بالامتثال » « 1 » .
والظاهر أنّ بناء العقلاء في مجال رجوع الجاهل إلى العالم يشمل حالة المجتهد الذي يمنعه مانع من الاستنباط ، كضيق الوقت وغيره ويتجلّى هذا بشكل أكثر وضوحاً فيما لو افترضنا وجود مساحة كبرى لم يستطع استنباطها بعد .
اعتبار الأعلمية في المقلَّد
والمراد بالأعلمية هو أن يكون صاحبها أقوى ملكة من غيره في مجالات الاستنباط « 2 » ، وليس المعيار كثرة الاستنباط أو قلّته ، وربّما توسّع البعض في هذه المَلكة فجعلها تعني القدرة على استنباط الموقف الإسلامي من كلّ القضايا الحياتية ، وهذا الشرط هو المشهور بين علماء الشيعة وخصوصاً في العصور الأخيرة « 3 » وهو مذهب أحمد وابن سريج والقفّال من أصحاب الشافعي وجماعة من الأصوليين ، وقد اختاره الغزالي « 4 » ، كما نُقل عن محمّد بن الحسن « 5 » ، وقد ذهب جماعة من علماء الإمامية ممّن
هامش
( 1 ) القوانين المحكمة : 2 / 163 .
( 2 ) الأصول العامة للفقه المقارن : 659 ، نقلًا عن إحكام الأحكام للآمدي : 3 / 173 . يقول الشيخ الأنصاري ؛ في مطارح الأنظار : ( الأعلم من كان أقوى ملكةً وأشدّ استنباطاً بحسب القواعد المقرّرة : 307 تقريرات الكلانتر الطهراني ) وهذا ما أكده المرجع أبو الحسن الإصفهاني والمحقّق العراقي ، ويقول صاحب العروة الوثقى : المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد والمدارك للمسألة وأكثر إطّلاعاً لنظائرها وللأخبار ، وأجود فهماً للأخبار ، والحاصل أن يكون أجود استنباطاً . ( العروة الوثقى ، المسألة 17 ) . والذي يبدو أنه لم يظهر من الفقهاء ، الذين سبقوا الشيخ الأنصاري تعريف للأعلم ، وهذا ما صرّح به السيّد محمّد المجاهد أستاذ الشيخ الأنصاري في كتابه ( مفاتيح الأصول : 632 طبع مؤسسة آل البيت ( عليهم السلام ) - قم ) . ويبدو أن الشيخ الأنصاري هو أقدم من ركّز مبنى تقليد الأعلم ، ثم جاء تلامذته من قبيل : الميرزا الرشتي والسيّد الفشاركي والسيّد ثقة الإسلام ، فركّزوا هذا المفهوم ، أما بالنسبة لمن سبقوا الشيخ الأنصاري فالسائد هو القول بالأعلم في المدينة ، فالمرحوم كاشف الغطاء ، مثلًا كان يركّز على ذلك أو على الأفضل في الدفاع عن حوزة الإسلام وهو يعني الأصلح على الظاهر .
( 3 ) يقول صاحب المعالم ابن الشهيد الثاني : 388 : « وإن كان بعضهم أرجح في العلم والعدالة من بعض تعيّن عليه تقليده ، وهو قول الأصحاب الذين وصل إلينا كلامهم ، وحجّتهم عليه : إنّ الثقة بقول الأعلم أقرب وأوكد ، ويحكى عن بعض الناس القول بالتخيير » .
( 4 ) المستصفى : 2 / 125 .
( 5 ) عمدة التحقيق : 54 .