والآية واضحة في الوجوب الكفائي للاجتهاد ، دون العيني منه - وهو ما نُسب إلى علماء حلب - بالإضافة إلى ما في الواجب العيني من عسر عظيم ، وكذلك قيام السيرة في الرجوع إلى فتوى الأصحاب والرواة .
أمّا التقليد فجوازه لغير المجتهدين يكاد يكون بديهة ، حتى عبر صاحب « كفاية الأصول » أنّها حالة فطرية جبلّية « 1 » . وقد قامت عليه السيرة العقلائية . وهذه هي حالة المجتمعات في صدر الإسلام ، ممّا يحقّق الإمضاء الشرعي لهذه الحالة ، وهناك أدلّة من النصوص القرآنية والنبوية على ذلك .
عدم جواز رجوع المجتهد إلى رأي غيره
وإذا حصل الباحث على رتبة الاجتهاد ، لم يجز له الرجوع إلى غيره ، وذلك لما أفاد الشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) في رسالته الموضوعة في الاجتهاد والتقليد ، من دعوى الاتفاق على عدم الجواز ، لانصراف الإطلاقات الدالّة على جواز التقليد عمّن له ملكة الاجتهاد واختصاصها بمن لا يتمكّن من تحصيلها .
وقد فصّل المحقق القمّي صاحب « القوانين » بين القادر على إعمال الملكة وغير القادر ، فأجاز للثاني أن يقلّد غيره فقال : « ودليل المانع ( للمجتهد من التقليد مطلقاً ) وجوب العمل بظنّه إذا كان له طريق إليه إجماعاً ، خرج العامي بالدليل وبقي الباقي ، وفيه منع الإجماع فيما نحن فيه ، ومنع التمكّن من الظنّ مع ضيق الوقت ، فظهر أنّ الأقوى الجواز مع التضييق ، واختصاص الحكم به » « 2 » . ويقول السيّد الخوئي ( رحمه الله ) معلّقاً على كلام المرحوم الشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) : « وما أفاده ( رحمه الله ) هو الصحيح ، وذلك لأنّ الأحكام الواقعية قد تنجّزت على من له ملكة الاجتهاد بالعلم الإجمالي ، أو بقيام الحجج والامارات عليها في محلّها . وهو يتمكن من تحصيلها بتلك الطرق ، إذاً لا
هامش
( 1 ) كفاية الأصول للمحقق الخراساني : 2 / 359 .
( 2 ) التنقيح في شرح العروة الوثقى الاجتهاد والتقليد : 30 .