بل إنّنا نجد الفقهاء - حتى أواخر القرن الخامس الهجري - يحارون في أمر التصرّف في سهم الإمام ( عليه السلام ) من الخمس ، ثم تحوّل الرأي عن ذلك بعد وضوح أنّ الخمس لم يكن لشخص الإمام بل لمنصبه ، باعتباره راعياً للُامّة ومطبّقاً للشريعة . ومع ذلك ، وجدنا الأمر متردّداً بين الدفع الشخصي المباشر لهذه الضرائب المالية ، أو اللجوء إلى خصوص الفقهاء ، كما رأى العلّامة المجلسي ( رحمه الله ) ، حتى جاء الشيخ الأنصاري الأعظم ( رحمه الله ) الذي يقول : « فلو طلب الفقيه الزكاة والخمس من المكلّف ، فلا دليل على وجوب الدفع إليه شرعاً ، نعم لو ثبت شرعاً اشتراط صحّة أدائها بدفعه إلى الفقيه مطلقاً ، أو بعد المطالبة وأفتى بذلك الفقيه وجب اتّباعه . . . » « 1 » .
وهكذا نجد صاحب الحدائق يردّ على نظرية العلّامة المجلسي فيقول : « إنّا لم نقف له على دليل » « 2 » .
وعلى أيّ حال ، فإنّنا نتصوّر أنّ ( المرجعية ) تُعدّ ظاهرة متقدّمة وناجعة ، - عند عدم الحكم الاسلامي - طرحت نفسها بحقّ في التاريخ الشيعي ، وتطوّرت بمرور الأيام وتعقّد العلاقات ، ونموّ الحاجة إلى قيادة علمائية جامعة للشتات ، وموحّدة للصفوف ، إنْ على صعيد الفتوى ، أو على صعيد القيادة ، وهذا تاريخها الناصع يوضّح لنا بما لا يقبل الشك أنها - وعلى الرغم من بعض الضعف في نظامها - كانت رأس الحربة في محاربة البدع والانحرافات ، لا بل في محاربة الاستعمار والاستبداد ، على الرغم من أنها لم تكن تملك سلطة رسمية ، إلّا في بعض العصور ؛ كالمحقّق الثاني في عصر الدولة الصفوية ، والمرحوم كاشف الغطاء في الدولة القاجارية . بل ربّما كانت محاربة في كلّ مكان ، وإن كانت تعتمد فقط على النفوذ المعنوي والعلمي الذي تملكه بين الجماهير المؤمنة .
فمن الطبيعي ان تمسك قدر ما تستطيع بأزمة الأمور .
ولسنا بحاجة إلى توضيح الأسس الطبيعية والاجتماعية التي تطلّبت هذه الحاجة فهي واضحة .
هامش
( 1 ) المكاسب ، الشيخ الأنصاري : 154 ط . تبريز .
( 2 ) الحدائق ، الشيخ يوسف البحراني : 12 / 470 .