تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
أنفسهم مشقّاته وأهواله ، ويبتعدون عن أخطاره ومزالقه ، ومغبّة البحث فيه ؛ حذراً أن يضلّوا في مجاهله ، أو يصيبهم رشاش من التكفير أو التفسيق ، فنراهم يتجاوزون هذه الثقافات الفكرية الإسلامية ، غير مميّزين بين غثّها وسمينها ، إلى غذاءٍ علميٍّ آخر لأرواحهم وعقولهم في المعارف الفكرية الأجنبية ، يتلقّفونها من علماء الغرب ومفكّريه ومستشرقيه ، والمأخوذين به ، ويعتقدونها هي العلم الصحيح ، والغذاء المفيد ، والآراء الصالحة للحياة . ولقد رأينا هذه النزعة الخطيرة تستولي على شبابنا ، وكثيرٍ من مفكّرينا ، وتتغلغل في أعماق نفوسهم ، وتسيطر على أفكارهم وعقولهم ، وتعمل عملها دون أن يشعروا أو تشعر الأُمة بما لها من إيحاءات خفيّة ، وضرر يسري كالسمّ الزعاف في أناةٍ ومثابرةٍ حتّى يهلك أو يقارب ، ومن شأن هؤلاء أن يهون عليهم تاريخهم ، وتصغر في أعينهم ثقافتهم ، بل أن يصبح دينهم غير عزيز عليهم ، ولا أثير لديهم ، وربّما مقتوه ، وفرّوا منه ، وتباهوا بأنّهم علوا عنه ، وارتفعوا بأنفسهم عن مستواه ! هذه بعض أخطار التفرّق الذي مُني به المسلمون ، أضعفتهم ، وأطمعت فيهم أعداءهم ، بل سلّطت عليهم هؤلاء الأعداء يسومونهم الخسف والذلّ وسوء العذاب ، وهوّنت من شأن ثقافاتهم ودينهم ، وجعلت العزّة والسلطان لغيرهم ، وإنّما العزّة للَّه ولرسوله وللمؤمنين . من الممكن أن تتلافى هذه الأخطار ، وأن يجنّب المسلمون شرّها وضررها : إذا تعاونت القلوب ، وتآزرت الجهود ، ونُسيت العصبيات ، ورجعنا إلى الحقّ ننشده مخلصين . إنّ حوالي أربعمائة مليون من المسلمين منبثّين في بلاد اللَّه شرقاً وغرباً ، لم يؤتوا من قلّة ، ولم يؤتوا من فقر في عقولهم ، أو في بلادهم ، أو في استعدادهم ، أو في ثرواتهم الطبيعية . ولقد شهد التاريخ كيف كانوا أقلّ من ذلك عدداً ، وأقلّ من ذلك مالًا وثروةً وخصباً ، ومع ذلك سادوا وشادوا ، ولفتوا إلى علومهم وأفكارهم ومدنيّتهم أهل الزمان .
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 332 | السيد هادي الخسروشاهي