بالمذاهب الأربعة . وممّا يبشّر بالخير أنّ الأساتذة والطلّاب يتلقّون هذه الدراسات المقارنة بإقبالٍ وشغف ، وبروحٍ من السماحة ، ورفض العصبية المذهبية ، غير ناظرين إلّا إلى الدليل ، ولا باحثين إلّاعن الحقّ .
إذن قد انتهت هذه المشكلة أو كادت ، ولم يعد لها خطرها ولا ضررها ، ولعلّنا نشهد في القريب العاجل إن شاء اللَّه مذاهب إسلامية أخرى يدرّس فقهها في الأزهر ، كما يدرَّس فقه المذاهب الأربعة ، ويومئذٍ يحقّ لنا أن نستوفي هذا الفخر برجوع الفقه الإسلامي إلى مجده الأول ، يوم كانت الآراء المحكمة ، والحجج المتقابلة ، والأدلّة ، ووجهات النظر هي مادّته وغذاءه ، وعمدته في التنوير الفكري ، والوصول إلى الحقّ ، لا قول فلان ، ولا رأي فلان .
إنّنا لنستبشر خيراً بهذا ، وقد قارنه في نفس العهد إحساس المسلمين بأنّه لا ينبغي أن يحكموا بغير شريعتهم ، وتلك هي الصيحات ترتفع عالية من كلّ جانب ينادي بها المشتغلون بالفقه الإسلامي ، والمشتغلون بغيره من رجال القانون والقضاء والتشريع : أن عودوا إلى فقهكم ، فإنّه عنوان مجدكم وعزّكم .
وقد اعترف بقيمة هذا الفقه وعظيم صلاحيته مؤتمر دولي عقد في مدينة لاهاي سنة 1937 م ، حضره ممثّلون للأزهر الشريف والحكومة المصرية .
وما كان هذا كلّه - علم اللَّه - إلّالأنّنا نبذنا التعصّب ، فتجلّى لنا ما في شريعتنا وفقهنا من روعةٍ وجلال ، ومن قدرةٍ على مسايرة أرقى أنواع الحضارات والمدنيّات .
هذا هو تاريخ الخلاف في الفقه والشتريع ، بدأ خلافاً علمياً مهذّباً ، فكان بركةً وفتحاً مبيناً ، ثم تطوّر إلى عصبيةٍ مذهبيةٍ عمياء ، فكان جموداً وركوداً ، وكان سبباً في انسلاخ كثيرٍ من الشعوب الإسلامية من تشريعها ، ثم أخذ يعود إلى هدوئه وسنّته الأولى ، فاستروحنا منه روح النهضة والتجدّد ، وابتدأنا نلتفت إليه ، ونستعزّ به ، وننادي بأنّه فكرتنا ومنهاجنا في الحياة .
هكذا كان شأن الفقه ، فماذا كان شأننا في غير هذه الدائرة ؟
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 329
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٣٢٩