تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
ماذا كان شأننا في المعارف الفكرية والقضايا التي أثارها الخلاف الطائفي والكلامي ؟ لقد بكرت هذه الخلافات على المسلمين منذ أول الأمر كما قلنا ، وكانت عنيفةً حادّةً ، وكانت في نفس الوقت متلوّنةً بألوان مختلفة ؛ تبعاً لما كان يمدّها من السياسة والأهواء ، ولما كان يغذّيها من الثقافات المختلفة . وظلّت هكذا تتزايد وتقوّى وتتّسع آفاقها ، ويتفاقم شرّها ، حتّى أصبح المسلمون فرقاً شتّى ، وطوائف مبعثرة ، بل أصبحت الأمة الواحدة متشعّبة إلى فرق ، والفرقة الواحدة متشعّبة إلى شُعَب ، وكلّهم متقاطعون متدابرون ، ينظر بعضهم إلى بعض كأنّهم أرباب أديان مختلفة ، فلا تعاون ولا تزاوج ، ولا تبادل للأفكار ، كلّ طائفة عاكفة على ما عندها ، متعصّبة له ، نافرة عمّا سواه ، تعتقد أنّها على الحقّ ، وأنّ سواها على الباطل . وإذا تقاربت منها طائفتان أو أكثر في بلاد واحدة احتكّ بعضها ببعض ، وهاج بعضها على بعض ، وكثيراً ما أفضى ذلك إلى سفك الدماء ، وتخريب البيوت ، وعداوات الأُسر والطوائف ، ممّا نشهده بأعيننا ، ونسمعه بآذاننا في الحين بعد الحين . وساعد على ذلك المستعمرون الذين يهمّهم أن تتقطّع أسباب المودّة ، وعوامل الائتلاف بين المسلمين ، ليسودوا عليهم في بلادهم ، وليكونوا هم قبلة المختلفين ، والحكم الأعلى بين المتنازعين . وهكذا طاوع المسلمون هذه الأساليب الاستعمارية الماكرة ، فزادوا من حدّة الخلاف بينهم ، وتراموا بالكفر والفسوق والزندقة ، والخروج على الدين ، وأمثال تلك الاتّهامات الطائشةالتي أرست بينهم العداوة والبغضاء ، وزرعت في قلوبهم الحقد والضغينة وسوء الظنّ ، وبذلك ساعدوا على أنفسهم ، ومكّنوا لأعدائهم من رقابهم وأوصالهم . حدث هذا كلّه ، وما زال يحدث ، مع أنّ هذه الخلافات عند كثيرٍ من طوائف المسلمين وفرقهم لاترجع إلى أُصول الدين ، ولاتمسّ العقائد التي أوجب اللَّه الإيمان بها ، والتي يعدّ الخروج عنها خروجاً عن الدين ، ومن الممكن - إذا وجدت