العلم في زمانهم بأنّهم ليسوا أهلًا للنظر والاستنباط ، ولا لفهم كتاب اللَّه وسنّة رسوله ، ومن ثم حكموا بإغلاق باب الاجتهاد . وترتّب على ذلك أن وقف الفقه وجمد ، وأن تعصّب كلٌّ منهم لرأي إمامٍ ، وزعم أنّه الحقّ ، وأنّ ما سواه باطل ! وأسرفوا في ذلك إسرافاً بعيداً حتّى كان منهم من لايصلّي وراء إمامٍ يخالفه في مذهبه ! ومن لايزوّج ابنته لفلان ! أو يتردّد في أكل ذبيحة فلان ! أو في قبول قضاء فلان ! لمجرّد أنّه يخالفه في المذهب !
ثم حصروا الأئمة الذين أوجبوا اتّباعهم في عددٍ معيّنٍ ، وهكذا ضاق أُفق الأتباع والأشياع عمّا اتّسع له أُفق المتبوعين ، وضاقت بهم دائرة الفقه الإسلامي ، وركدت ريحه ، وصوِّح نباته ، وقلّت ثمراته .
وكان من آثار ذلك أن خرج كثير من البلاد الإسلامية عن هذا الفقه عامةً ، والتمسوا فقهاً آخر في هذه القوانين الوضعية يحكمون به ، ويجعلونه نظامه في القضاء والتشريع والمعاملات ، التسموا فقهاً لم يتقيّد بهذه القيود الطارئة ، ولم يحدّ بهذه الحدود المصنوعة . ومن ثم رأينا القذى في العيون ، والشجى في الحلوق حين رأينا أُمم الإسلام تحكم في بلادها بغير فقه الإسلام ومنهاج الإسلام !
ولكنّا قد استطعنا في عهدنا الحاضر - ونرجو أن يكون ذلك أولى الخُطى في سبيل العودة إلى مجدنا الفقهي التشريعي - استطعنا أن نتخلّص إلى حدٍّ بعيدٍ من آثار هذه العصبيات التي تنكرها الشريعة ، ولايعرفها الأئمة المجتهدون أنفسهم ، وأن يسير بعضنا مع بعض على وفاق ، فلم نعد نسمع خلافاً يؤدّي إلى تضارب أو تقاذف أو تراشق بالتُهم بين حنفي وشافعي مثلًا .
وها هو ذا الأزهر الشريف ، أكبر جامعة إسلامية يدرَّس فيه المذاهب الإسلامية الأربعة ، ونرجو ألّا يكون هناك من يمنع أو ما يمنع من دراسة غيرها من مذاهب المسلمين إذا تهيّأت له أسباب هذه الدراسة ، وإنّ كلّية الشريعة لتدرّس في العهد الحاضر إلى جانب الدراسات المذهبية : دراسات فقهية مقارنة ، لاتتقيّد فيها
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 328
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٣٢٨