بالخروج على الشريعة ، أو المروق من الدين لخلافٍ بينه وبينه ، ولم نعرف أحداً زعم لنفسه أنّه هو وحده صاحب الرأي المقدّس في الشريعة ، أو فكّر في حمل الناس على ما يراه ، بل كلّهم ورد عنه ما يدلّ على أنّه مجتهد ، قد أتى بما وسعه أن يأتي به ، ويحتمل أن يكون مصيباً وأن يكون مخطئاً ، وأنّ العمدة في ذلك : كتاب اللَّه وسنّة رسوله عليه الصلاة والسلام ، وما ارتضاه المسلمون من قواعد الشريعة وأُصولها العامة .
وها هو ذا مالك ( رض ) يصرف أبا جعفر المنصور عمّا همَّ به من حمل الناس على « الموطّأ » ذاكراً له أنّ أصحاب رسول اللَّه ( ص ) قد تفرّقوا في الأمصار ، وعند كلٍّ منهم علم ، وليس من الرأي أن يحمل الناس على كتابٍ ما إلّاكتاب اللَّه .
هكذا كانت ريح الفقه تجري رخاءً ، ولذلك نما وزكا ، وأينعت ثمراته ، ودنت قطوفه ، ووفي أعظم التوفية بحاجات المسلمين : أُمةً ودولةً وأفراداً ، وحفظ به التاريخ أعظم تراثٍ فكريٍّ في الأحكام التشريعية ، والمبادئ الإصلاحية التي تقوم عليها الأمم .
ولذلك أيضاً استطاع الفقه الإسلامي أن يقف عالي الرأي ، عزيزاً كريماً ، فلم يغزه يومئذٍ فقه فارسي ولا فقه روماني ولا فقه يوناني ، على كثرة ما دخل بلاد المسلمين من علوم هذه الأمم وثقافاتهم ، وعلى ما عهد في المسلمين من ترحيب بالنافع من هذه العلوم والثقافات ، وتلقّيه بسماحةٍ وحسن قبول .
ثم جاءت بعد ذلك طبقات من المقلّدين والمتعصّبين للمذاهب ، كلّت هممهم عن حمل ما كان يحمله سلفهم من العلم والنظر ، وصادف ذلك عهود الضعف السياسي وانقسام الأُمة الإسلامية إلى دويلات صغيرة لاتربطها رابطة ، ولاتجمعها جامعة ، ومن شأن الضعف السياسي - إذا أُصيبت به أُمة - أن يخيَّل إلى أبنائها أنّهم أقلّ من سواهم قوةً وعلماً وتفكيراً ، وأن تركد معه ريح العلم ، ويفتر نشاط العلماء .
بهذا وبغيره تأثّر أكثر المشتغلين بالفقه ، فحكموا على أنفسهم وعلى جميع أهل
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 327
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٣٢٧