فإذا شجر بينهم خلاف عالجوه بالحجّة والإقناع ، ولم يتجاوزوا به دائرة العلم والبحث ، ولم يسمحوا له - مهما تباعدت وجهات النظر فيه - أن يقطع ما بينهم من الأواصر ، أو يفسد ما أصلحه اللَّه من القلوب ، بل كانوا يتبادلون الثقة والمحبّة والاحترام ، وربّما سأل بعضهم بعضاً عن دليله أو مدركه على ما يقول ، فإذا لقّنه واستراح إليه سارع إلى إعلان قبوله والرضى عنه ، غير مستكبرٍ على الحقّ ، ولا متعنّت في الخطاب .
هكذا كان شأن الأمة الإسلامية في أولها ، ثم عَدَت عليها بعد ذلك عواد جعلتها تتفرّق فرقاً ، وتقسم طوائف وشيعاً ، وابتدأت هذه الانقسامات بأواخر عهد الراشدين ، ثم ما زالت السياسة والحرب الأهلية تغذّيها وتنفخ في نارها حتّى تمخّضت البلاد الإسلامية عن فرقٍ شتّى ، وتشعّبت كلّ فرقة إلى شُعَب ، وكان هذا هو الأساس الأول لما عاناه ، وما يزال يعانيه المسلمون إلى الآن ، من تفرّقٍ وتنازعٍ ، وتقاطعٍ وتدابر .
وقد كانت المساجد والمجامع والمجالس أندية رأيٍ ونقاشٍ وجدل ، ذهبوا فيها مع الحريّة الفكرية والنشاط العقلي إلى مدىً بعيدٍ جعلهم يخوضون حتّى فيما نُهوا عن الخوض فيه من البحوث العقيمة ، والمسائل التي لاتتّصل بها فوائد عملية .
وساعد على اتّساع دائرة هذا الجدل : امتزاج الثقافات المختلفة ، والعلوم الجديدة التي جاءتهم من الأُمم الأخرى حين دخل الناس في دين اللَّه أفواجاً من كلّ جنسٍ ولون ، حاملين معهم قضايا تفكيرهم ، وأساليب منطقهم وجدالهم .
ولم تقف الاختلافات والآراء عند دائرة المعارف الفكرية الكلامية ، بل شملت الفقه والأحكام التشريعية المستنبطة ، غير أنّها لم تكن في هذه الناحية الأخيرة عنيفة ولا مشتطّة ، وإنّما كانت تجري في هدوء وسكينة ووقار ، لايسيطر عليها إلّا العلم والحجّة والبرهان ، وذلك في عهد الأئمة المجتهدين ، ومن بعدهم من تلاميذهم الذين أُشربوا مبادئهم ، وساروا على سنّتهم ، فلم نعرف أنّ أحداً منهم رمى غيره
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 326
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٣٢٦