تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
جاء في بعض ما روي في هذا الشأن : أنّ المنصور حين سمع مقالة مالك أكبره وشكره ، ودعا له بالتوفيق . إنّ مالكاً لم تستهوه هذه الفكرة وإن كان فيها كل التأييد لمذهبه ، ولم ينتهز الفرصة لقبول هذا الاقتراح ممّن يملك تنفيذه وحمل الناس عليه بما له من قوة السلطان والحكم ، فلقد كان أجلّ من أن يخدعه هذا الإغراء عن الحقّ ، وأجلّ من أن يتعصّب لنفسه أو لمذهبه في هذه القضية الأساسية ، وأجلّ من أن يكتم السلطان ما يجب عليه من النصح له وللمسلمين وإن فوّت عليه هذا النصح ما قد يحرص عليه كثير من الناس . إنّ مالكاً قد أرجع المسألة إلى أصلها ، ولم ينظر إلى أواخر الأمر في هذا الخلاف بين علماء الشريعة ، وإنّما نظر إلى أوائله . إنّه يعلم أنّ كتابه الذي ألّفه وجمعه ليس هو كلّ شيء في هذه الشريعة ، وليس هو الكلمة الفاصلة في كلّ أمرٍ من أمورها ، أو مسألةٍ من مسائلها ، فلغيره نظر كنظره ، وبحث كبحثه ، وجمع كجمعه ، وقد يكون عند غيره من العلم ما ليس عنده ، ولعلّه لو اطّلع عليه لأخذ به ، ورجع عمّا كان قد اختاره ، وقد يحمل علمه إلى قوم في بلد من بلاد المسلمين سبق إليهم من قبله علم عن غيره أخذوا به وعرفوا أنّه الحقّ ، فكيف يحملون على غير ما يعلمون ، كلّ هذا دعا مالكاً إلى أن يقول للمنصور وهو يعلّل إباءه قبول ما عرضه عليه : إنّ الناس قد سبقت إليهم أقاويل . . . فدع الناس وما اختار أهل كلّ بلد منهم لأنفسهم . إنّ مالكاً حين أشار على صاحبه أن يدع الناس وما اختاروا لأنفسهم لم يشر عليه بذلك لأنّه لا يعتدّ بأمر المسلمين ، أو لا يعبأ بهم ، ولكنّه أشار عليه بذلك لأنّه هو الخير كلّ الخير ، وهو الموافق لما أراده اللَّه عزّ شأنه حين وضع شريعته هذا الوضع الحكيم الرحيم ، ولا يعقل أن يكون مالك قد أراد مع ترك الناس وما اختاروا أن يتعصّبوا لما عندهم ، وأن يحتربوا عليه فيما بينهم ، وأن يقطعوا في سبيل التعصّب