الأولى ، لم يكن العلم فيه قد تقدّم كعهدنا به اليوم ، ولم تكن المذاهب الاجتماعية والاقتصادية قد ظهرت وتعدّدت صورها ؛ فلم يبق إلّاأن تضمن الأدلّة والمصادر المحدودة للشريعة ما يمكن العقول من الاستنباط منها كلّما دعا إلى ذلك داعٍ ، ولذلك وجدت فيها المبادئ العامة والأصول التي يرجع إليها ، وكان منها ما هو قطعي دائم ، ككون الشريعة يسراً لا عسراً ، وكون المعاملات مبنية على رعاية المصالح ومجانبة الضرر ، ووجوب حفظ المال والنفس والعرض والعقل والدين . . .
وغير ذلك من الكلّيات التي ترجع إليها الفروع والأحكام .
هذا هو الوضع الحكيم الرحيم الذي جاءت عليه الشريعة الإسلامية ، ولم يكن من الحكمة ولا من الرحمة أن تجيء على وضعٍ سواه .
وتبعاً لذلك ظهر من بين الصحابة والتابعين وتابعيهم والمتأخّرين فقهاء ومجتهدون يشار إليهم ، فمن بين الصحابة نفر عُرفوا بفقههم وعلمهم بالكتاب والسنّة ، كان يرجع إليهم ويؤخذ برأيهم ، ومن التابعين لمعت أسماء عدد كبير ، كان أشهرهم وأعظمهم مكانة الفقهاء السبعة « 1 » ، عاشوا في المدينة في عصر واحد ، وكانوا مصادر الفتوى لمن بعدهم .
ثم اتّسعت الدائرة في منتصف القرن الثاني والثالث ، واشتهر أعلام في الفقه ، منهم أصحاب المذاهب الأربعة ، وسفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، والأوزاعي ، وإسحاق بن راهويه ، وداود الظاهري ، والليث بن سعد ، وسعيد بن جبير .
وإلى جانب هؤلاء من الصحابة والتابعين أئمة أهل البيت ، وهم علي أمير المؤمنين والحسن والحسين وزين العابدين علي بن الحسين وأولادهم ( ع ) . وهؤلاء وإن كانوا في نظر الشيعة أئمة منصوصين فإنّهم عند الجمهور أئمة في العلم والدين ، وسادة
هامش
( 1 ) . وهم : خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري ، سعيد بن المسيّب ، أبو أيوب سليمان بن يسار ، أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث القرشي ، القاسم بن محمد بن أبي بكر ، عروة بن الزبير بن العوّام ، عبيد اللَّه بن عبداللَّه بن عتبة