ولو أنّ الأئمة استشيروا في حصر المذاهب وإقفال باب الاجتهاد لما وافقوا على الإطلاق .
فالإمام مالك أبى أن يقبل ما عرضه عليه صاحب السلطان ، وفي هذا يروى : لمّا حجّ المنصور قال لمالك : قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي صنّفتها فتنسخ ، ثم أبعث في كلّ مصر من أمصار المسلمين منها نسخة ، وآمرهم بأنّ يعملوا بما فيها ، ولا يتعدّوه إلى غيره ، فقال : يا أمير المؤمنين ، لا تفعل هذا ، فإنّ الناس قد سبقت إليهم أقاويل ، وسمعوا أحاديث ، ورووا روايات ، وأخذ كلّ قوم بما سبق إليهم ، وأتوا به من اختلاف الناس ، فدع الناس وما اختار أهل كلّ بلد منهم لأنفسهم « 1 » .
فالمنصور شهد اختلاف العلماء في عصره ، وهو حاكم نظامي ، يهمّه كما يهمّ سائر الحكّام النظاميين أن يتوحّد الناس في مملكته تحت قانون واحد ، يؤخذ به قاصيّهم ودانيّهم ، ويعمل به في كلّ ناحية من نواحي هذه المملكة المترامية الأطراف .
ولعلّه من جهة أخرى لم يكن يحبّ هذا الضجيج الذي أثاره العلماء بجدالهم ونقاشهم ، وذهاب كلّ فريق منهم مذهباً يخالف صاحبه وتمسّكه بهذا المذهب حتّى يراه وحده هو الجدير بأنّ يتّبع ، ويرى غيره فاسداً أو باطلًا ، كما أنّه من الممكن أنّه من جهة ثالثة أراد أن يرضي أهل الحجاز ويصطنعهم ويتقرّب إلى هذا الإمام العظيم ، إمام دار الهجرة ، وقد بهره ما في كتابه من العلم المستمدّ من الرواية عن الرسول ( ص ) ، وعن الثقات أصحابه ، ليخالف بذلك عن سنّة الأمويين الذين كانوا لا ينظرون إلى أهل الحجاز نظرة المطمئنّ إلى ولائهم لسطانهم ودولتهم .
كما أنّ المتتبّع لتاريخ العباسيين ومواقفهم من العلويين يجد سبباً آخر ، هو رغبة المنصور في الحدّ من نفوذ آل علي المذهبي بصرف الناس عن فقههم ، إلّاأنّ مالكاً ينهى المنصور عن تنفيذ فكرته ، فيعدل عنها عدول من تبيّن له وجه الخطأ فيها ، فقد
هامش
( 1 ) . القصة موجودة في كثير من الكتب المطبوعة المتداولة ، وقد نقلتها بنصّها عن ص 45 ج 1 من كتاب حجة اللَّه البالغة للدهلوي