ويتجاوزون حدود ما يصحّ فيه الاجتهاد ، فيحلّلون الحرام ، ويحرّمون الحلال .
ولعلّهم رأوا كيف استغلّ الاجتهاد في بعض العهود أسوأ استغلال ، وكيف صار سلاح بطش وظلم وجور ، وكيف حاول البعض أن يلبس الأخطاء المقصودة ثوب الاجتهاد ويجعل لها أجراً من الأجرين ، ولعلّهم كذلك رأوا بعض أهل الفتيا يفتون بما يرضي الحاكمين ، ولعلّهم خافوا ازدياد الخلافات عمّا كانت عليه .
لعلّ هذه العوامل كلّها هي التي أوجدت فكرة إقفال باب الاجتهاد عند قائليها ، لكنّنا حين ننادي بفتح باب الاجتهاد إنّما ننادي بمبدأ حقّ التفكير والاستنباط من الأدلّة والأصول الثابتة ، وهو مبدأ ثابت في الإسلام ، على أن يكون الاجتهاد فيما يصحّ فيه الاجتهاد ، وأن يكون في حدود أدلّته الشرعية ، والخلاف فيما يصحّ الخلاف فيه لا يضرّ ، بل هو سعة ورحمة ، وهو موجود رغم إقفال باب الاجتهاد ، لا بين المذاهب المتعدّدة ، بل بين أتباع الإمام الواحد .
ولا يصحّ أن يغيب عن القائلين بإقفال باب الاجتهاد أنّنا أصحاب رسالة وعلينا واجبات لابد أن نؤدّيها ، فنحن المسلمون نكوّن خمس سكّان العالم ، والمواصلات ورسائل النقل تربطنا بكل أطرافه شئنا أم أبينا ، وليس في استطاعتنا أن ننكمش ونغلق بابنا على أنفسنا ، ونتجاهل ما يدور حولنا ، وليس في مكنتنا أن نحيا حياةً نستغني فيها عن كلّ ما جدّ ويجدّ ، إنّ هناك مشاكل جديدة تطالعنا ، ومذاهب اجتماعية واقتصادية تحاول غزونا ، ونظماً خاصة تقبل على عالمنا ، وهناك شبابنا الذين يبهرهم كلّ جديد ، فماذا يكون موقفنا تجاه هذه الأمور ؟
إنّ هناك قوانين تنظّم روابط الأفراد بالهيئات ، وتجعل لهذه شخصيات معنوية أو اعتبارية ، وترتّب لها حقوقاً ، وتفرض عليها واجبات ، وتنظّم ملكية الفضاء وطبقات الأبنية ، وملكية الاختراعات ، وتحدّد أنظمة المعاملات ، فماذا نضع في كلّ ما يحدث من شؤون ؟
إنّنا أمام أحد أمرين : إمّا أن نستسلم للقوانين الوضعية على اعتبار أنّ فقهنا
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 274
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٧٤