تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
وظنونهم ، فلذلك بيّنها بياناً واضحاً ، وجعلها من أمور الدين وأحكامه حرماً مقدّساً لا يجوز أن تختلف فيه الأنظار ، ولا أن تكون مجالًا لتعدّد الآراء ، ولا لجدال المتجادلين ، ذلك بأنّها حقائق أخبرنا اللَّه تعالى بها ، وأوجب علينا أن نعتقدها ، وليس من شأنها أن تتغيّر بتغيّر الزمان ، أو تختلف باختلاف المصالح ، أو تتأثّر باجتهاد المجتهدين . وقد أُلحق بهذه الأصول ما شابهها في عدم التأثّر بالأزمان أو الأفهام من حقائق العبادات وصورها - في الجملة - وأصول المعاملات ، ونحو ذلك . فكان هذا كلّه رحمةً من اللَّه وحكمة ، لأنّه وقى الناس شرّ التفرّق في الأسس والأصول ، ورسم لهم دائرة محدودة واضحة المعالم ، يعرف من دخلها ومن خرج منها ؛ وألحق بها ما هو في حكمها من رسوم العبادة التي لا يرجع فيها إلّاإلى ما يريده المعبود ، ومن دعائم المعاملة التي يجب في كلّ زمان ومكان أن تكون مرتكزة على أساس سليم من العدل والخلق الكريم . أمّا الفروع التي لايضرّ الاختلاف فيها ، سواء أكانت في الشؤون العملية أم في المسائل النظرية ، فلم يكن يصلح أمر الناس على توحيدها والإلزام بصورة معيّنة منها ، ذلك بأنّ اللَّه خلق العقول ، وجعل لها مجال النظر والتفكير ، والموازنة والترجيح ، والاستقراء والتتبّع ، ولذلك جاءت أكثر أحكام الفقه ظنّية ، وكثر فيها الاختلاف والترجيح ، وأصبحنا نرى في كثير من المسائل الخلافية آراء الفقهاء التي تمثّل جميع الصور المحتملة عقلًا . وأمر آخر هو أنّ التصرّفات التي تقع من الناس والقضايا التي تحدث فيها لا تنتهي ولا تقف عند حدّ ، فكلّما جاء جيل من الناس جاءت معه أحداثه وتصرّفاته وألوان نشاطه . وإذا كان من قصد الشريعة أن تنصّ على حكم من لدنٍ جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن تقوم الساعة ، لما وسع الناس أن يحفظوها ، لاسيّما وقد نزلت على قوم أُميّين ، في جزيرةٍ صغيرةٍ محدودة الأحداث ، وفي زمانٍ أقرب إلى البدائية
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 267 | السيد هادي الخسروشاهي