تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
نبيّهم ، لا فرق في ذلك بين سنّيهم وشيعيّهم « 1 » ، وهم إن اختلفوا فإنّما يختلفون نتيجةً لطبيعة الاجتهاد والاستنباط ، وطبيعة الأدلّة والقرائن والظروف . فالخلاف الفقهي في أصله ليس صادراً عن الهوى والتعصّب ، ولكنّه صادر عن أصول الشريعة وأدلّتها التي يجب على المسلمين أن يعوّلوا عليها في معرفة دينهم ، والتعبّد بما شرّعه اللَّه لهم . فالقرآن الكريم الذي هو المصدر الأوّل والأعظم للمسلمين ، نزل بأسلوبٍ جاء قاطعاً في أصول العقائد ، وما لا يتغيّر بتغيّر الأزمان والأحوال ، محتملًا في كثير من وراء ذلك من الأمور والأحكام . فكان هذا من أول أسباب الخلاف ؛ تبعاً لاختلاف الأفهام ، وقواعد النظر ، وتقدير العلل والمصالح . والسنّة المطهّرة التي نُقلت بطرق مختلفة جاءت نصوصها تارةً مطلقة ، وتارةً مقيّدة بقرائن وظروف تساعد على فهمها ، وقد تبلغ الرواية عالماً ولا تبلغ آخر ، وقد يعتمد عالم على راوٍ وآخر لايثق به ، وقد يثبت حديث عند مجتهد ولا يثبت عند غيره ، وقد تتعارض الروايات في بعض الأحايين . كلّ هذا كان ذا أثر ظاهر في الخلاف . كذلك اختلفت القواعد التي استنبطها العلماء لفهم الكتاب والسنّة ، والأدلّة التي رأى بعضهم أنّها تفيد حكم اللَّه ، ورأى آخرون أنّ كتاب اللَّه وسنّة رسوله تغنيان عنها . هذا على وجه الإجمال هو ما دعا إلى اختلاف العلماء ، وهذا هو ما قضت به الحكمة الإلهية ، ولو شاء اللَّه لجاءت أحكام الشريعة ومسائلها جميعاً على نمط واحد ؛ ولكن اللَّه جلّ جلاله علم أنّ أمر الناس لا يصلح على ذلك ؛ فلا يصلح في أمور العقائد وأصول الدين التي يدخل بها المرء في ربقة الإيمان ، ويخرج من هذه الربقة حين يخرج عنها ؛ لا يصلح في هذه أن يترك الناس لعقولهم وأفكارهم
هامش
( 1 ) . التسمية بالشيعة وأهل السنّة قد توحي بأنّ الفارق بين الطائفتين هو العمل بالسنّة . والحقيقة أنّها تسمية اصطلاحية ، فكما أنّ الأصل الأوّل عند الشيعة هو القرآن فإنّ الأصل الثاني عندهم هو السنّة ، كما هو كذلك عند أهل السنّة