وممّا يدلّ على ذلك أنّ عدداً كبيراً من رجال الدين والعلماء والفقهاء والمتكلّمين والمفسّرين وأرباب العقول الجبارة في الطائفتين كانوا يعتنقون هذه الفكرة ويخلصون لها ، وهذا يجعل أيّ باحث يتردّد كثيراً في الحكم بأنّ الخلاف كان أصلًا وليد السياسة وإن كانت السياسة استغلّته وكبّرته ، أو وليد مؤثّرات خاصة أو نزعة عنصرية من بلاد معيّنة ، فإنّ الإمام الطبرسي والطوسي وأبا الفتوح الرازي وأمثالهم من أئمة المفسّرين من الشيعة من نفس البلاد التي ينتمي إليها الزمخشري والفخر الرازي والنيسابوري والبيضاوي وأمثالهم ، وهم من أئمة التفسير عند أهل السنّة ، والبلد الذي أخرج حجة الإسلام الغزالي هو نفس البلد الذي أخرج شيخ الطائفة الطوسي .
على أنّ الخلاف بين العلماء كان في أكثر الأحيان رفيقاً إلى حدٍّ أنّ الإنسان لا يدرك في بعض المواطن بسهولة إلى أيّ الفريقين ينتمي صاحب هذا الرأي أو ذاك .
ولعلّ من يقرأ تفسير الإمام الرازي ، أو تفسير الإمام الزمخشري ، يجد فيهما كثيراً ممّا يؤيّد ما يعتنقه الشيعة وإن كانا إمامين جليلين من أئمة السنّة .
بل أنّ هناك نفراً من العلماء - منهم بعض أئمة التفسير - كانوا في بحوثهم غاية في الاعتدال ، حتّى أنّ كل فريق عدّهم من رجاله ، ووجد من كلامهم ما يرجّح به رأيه .
وهذا ولاشكّ دليل على ما عرفوا به من إنصاف مستمدّ من أدب القرآن الذي يلتزمه الصالحون .
أمّا بعد فهذا هو إيمان المسلمين جميعاً بعظمة القرآن ، وهذه هي عنايتهم في مختلف أجيالهم وبلادهم ومذاهبهم بعلوم القرآن .
فإذا كانت جماعة التقريب قد اختارت ميدان التفسير ليلتقي فيه المشرقي بالمغربي ، والشيعي بالسنّي ، فإنّما اختارت ميداناً ألف المسلمون أن يلتقوا فيه إخواناً متفاهمين متعارفين .
وإذا كانت قد اختارت هذا الكتاب بالذات فانّما اختارت كتاباً وقف مؤلّفه موقف
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 247
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٤٧